تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أثناء ذلك وقع الخلاف بين جمعية الاتحاد والترقي وبين وزارة كامل باشا على مسائل داخلية لأن الجمعية كانت هي سبب إعلان الحرية، فكانت تريد بطبيعة الحال أن تسيطر على الحكومة، ولم يكن هذا الأمر ليحصل بدون اصطدام آراء مفض إلى النزاع، وكانت الأمة مشغولة بانتخاب المبعوثين، ولم تكن الآراء متفقة في قضايا الانتخابات مما يحصل في كل مملكة، فانتهى الأمر بسقوط كامل باشا وكان مجلس الأمة قد انعقد وحضر السلطان عبد الحميد افتتاحه، وأقسم يمين الأمانة للدستور، ولكن لم يكد المجلس ينعقد حتى وقع الشقاق بين المبعوثين، فمنهم مبعوثوا جمعية الاتحاد الترقي ومبدؤهم كان المركزية التامة، أي حصر كل الإدارة في مركز الدولة، وبناء الإصلاحات كلها على هذا الأساس، ومن البديهي أن مبدأ كهذا سيعطي السيادة للعنصر التركي الذي له المقام الأول في السلطنة، فلهذا كان العرب والأرناؤوط والأروام والأرمن ضد هذا المبدأ، لأنه يجحف بحقوقهم، فتألف من هؤلاء حزب تسمى بحزب «الأحرار» انضم إليهم أيضا كثير من الأتراك المناوئين لجمعية الاتحاد والترقي، ففي مسالة كامل باشا وقع الخلاف بين الحزبين، وتغلب الاتحاديون على خصومهم، وهكذا سقط كامل باشا وجاء مكانه حسين حلمي باشا ففي مدة هذا الصدر تسوت بين تركيا والنمسا قضية بوسنة والهرسك، وذلك بدون عقد مؤتمر دولي. لأن الأتراك كانوا يخشون من عقد المؤتمر الدولي فتح أبواب جديدة عليهم فاسترجعت الدولة سنجق نوفييازار، واستأدت مليونين ونصف مليون جنيه بدلا عن الأراضي العائدة في بوسنة للدولة خاصة، وتقرر بقاء التشكيلات الدينية الإسلامية في البوسنة والهرسك مربوطة بالدولة العثمانية، كما كانت في السابق وعقدت الدولة مع النمسا معاهدة تجارية، ثم رجعت إلى مسألة البلغار فبعد أخذ ورد طويلين وحل مشكلات مالية يطول شرحها انتهى الخلاف وانعقدت المعاهدة في 19 إبريل سنة 1909 وفي هذه المعاهدة كل ما يضمن حقوق المسلمين وأوقافهم ومؤسساتهم الدينية في مملكة البلغار، فاستراح بال الدولة من جهة هاتين المشكلتين قضية استقلال البلغار التام، وقضية استلحقاق بوسنة والهرسك بالنمسا.

ولكن ثار تنور الخصام في وسط السلطنة، وتعددت الأحزاب، وبسبب إعلان الحرية أظهر كل ما في نفسه، وبدلا من أن يكون هذا القانون الأساسي سببا للانضمام وللسير على قاعدة (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) وليس امتياز فيها لفريق على فريق، كانت عاقبة هذا النظام الجديد أن كل أمة من الأمم الكثيرة التي تتألف منها السلطنة العثمانية أخذت تحاول الانفصال عن السلطنة نفسها بالطرق الممكنة وغير الممكنة، وجاءت هذه الحالة عذرا للسلطان عبد الحميد الذي كان يدعى أنه إنما أخر إعلان الدستور وجمع الأمة خوفا من تفكك أجزاء السلطنة وفرارا من صدع الوحدة العثمانية لأنه في ظل الحرية لا يمكن منع النزعات القومية التي هي كامنة في صدور هذه الأمم المختلفة التي لا يجمع بينها سوى رهبة الدولة.

ولكن جمعية الاتحاد والترقي مع حسن نية رجالها كان ينقصها كثير من الخبرة وكان أكثر زعمائها شبانا لم يتمرسوا بالأمور، ولم تنجزهم الحادثات، وقد جاء فوزهم بالقبض على ناصية السلطنة غير منتظر - حتى من أنفسهم - فسكروا بخمرة العز واستخفوا بمن سواهم، وظنوا أنهم هم قادرون على كل شيء، والحال أنهم كانوا يواجهون صعابا، ويقابلون عقابا، لا قبل لهم بها، فكانت أمامهم - وهي للطامة الكبرى - دسائس الدول الأوروبية التي كال واحدة منهن كانت تحرك أهالي البلاد التي تطمح إليها من أجزاء السلطنة، وكان هذا مرضا مزمنا، فلا الأجانب كانوا راجعين عن أطماعهم هذه، ولا الأهالي الذين تعودوا رؤية نفوذ هذه الدول في بلادهم كانوا عادلين عن الانقياد إلى وساوسهم، ولأجل وضع سد فيوجه الأجانب كان ينبغي أن تكون الدولة أقوى وأرقى وأسعد حالا، وأغزر مالا من جميع الدول العظام. ولم تكن هذه الشروط حاصلة في الدولة العثمانية كما لا يخفى. ثم إن جميع الأمم التي كانت تتألف منها هذه السلطنة كانت أهدافها مختلفة، فالأروام وهم جانب كبير في المملكة لا ينسون ملكهم القديم، وفي كل حركاتهم وسكناتهم كان هدفهم الوحيد استئناف الاستيلاء على القسطنطينية وطرد الترك منها إلى آسيا، والأرمن كان هدفهم الوحيد استئناف ملكهم القديم في نفس الأناضول، والبلغار يريدون ضم مكدونية إلى المملكة البلغارية الجديدة، وهذا من جهة المسيحيين.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٦٨