ولم يكن هذا الادعاء صحيحا بل حقيقة الحال أنه سواء اصطلحت الإدارة العثمانية أم لم تصطلح فالبلغار إنما يجتهدون في ضم البلاد المأهولة بالبلغار إلى مملكتهم، واليونان إنما يسعون في ضم البلاد التي أكثرها منهم إلى مملكتهم، ولن يرضو بالبقاء تحت حكم الأتراك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ولكن شبان الأتراك منهم من آمن بأقوال العصائب اليونانية والبلغارية.
ومنهم من لم يكن يؤمن بها لكنه كان يجد أن طريق النجاة لن تكون إلا بإعادة الدستور، وجعل الحكم في السلطنة للشورى كما هو في سائر البلاد.
وبلغ السلطان سريان هذه الحركة إلى الجيش المرابط في الرومللي، فراعه الأمر وأرسل لجنة تحت رئاسة القائد إسماعيل ماهر باشا لأجل الفحص عن هذه الحركة فرجعت هذه اللجنة وقررت للسلطان أن أكثر الضباط دخلوا في جمعية الاتحاد والترقي، وأن الخطب عظيم، وأن الخرق اتسع على الراقع، وكان حسين حلمي باشا مفتشا عاما لولايات الرومللي، فكتب هو أيضا إلى السلطان يعظم من شأن حركة الجيش، ويشير على السلطان بإعلان الدستور. وفي أثناء ذلك ذهب أنور بك وعصى بشرذمة من الجند في جوار سلانيك، كما أن نيازي بك استولى على مدينة منستر وكاد يعلن فيها الدستور، ولما بلغ جمعية الاتحاد والترقي ما قام به أنور ونيازي منا لعصيان اشتدت عزيمتهم، واجتمعوا حول منزل حسين حلمي باشا وطلبوا إعلان الدستور، وأصبحت سلانيك في أيديهم. ولما وصل الخبر إلى السلطان استشار الصدر الأعظم وكان الصدر يومئذ فريد باشا الأرناؤوطي، فأشار إليه بإعلان الدستور، وذلك تسكينا للفتنة، وكذلك جمال الدين أفندي شيخ الإسلام أبدى له ضرورة هذا الإعلان، وكان أحمد عزت باشا الدمشقي مستشارا للسلطان - كما لا يخفى - وهو المطلع على ماجريات هذا الخطب، قد عارض في إعلان الدستور بل قوته، ولكن الوزراء خالفوه، وهو نفسه الذي قال لكاتب هذه السطور عند ما اجتمعت به بعد الحرب العامة هنا في جنيف: بأن الذي أثر في السلطان بالدرجة الأولى حتى أعلن الدستور هو جمال الدين أفندي شيخ الإسلام. أما كوجك سعيد باشا. ففي أول الأمر نصح للسلطان بالثبات، وبقمع هذه الحركة بالقوة، إلا أنه بعد ذلك جاءت الأخبار بأن الفيلق الثاني الذي مركزه أدرنة انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي، فوقع الرعب في قلوب الوزراء جميعا، وعادوا فأشاروا على السلطان بإعلان الدستور اتقاء لشر أعظم!! والحقيقة أن القوة التي في يد جمعية الاتحاد والترقي كانت ضئيلة، وكان الجيش أكثره طائعا للسلطان، ولكن قوة الجمعية كانت معنوية، والأمة - حتى في نفس قصر يلدز - أصبحت تعتقد أن لا نجاة للدولة إلا بإعلان الدستور، وعقد مجل الأمة.
والخلاصة أن السلطان عبد الحميد أعلن القانون الأساسي، وأمر بانتخاب المبعوثين، وتعيين كوجك سعيد باشا رئيسا للوزارة الجديدة. فأراد سعيد باشا إعطاء السلطان بعض حقوق في تعيين الوزراء خلافا للقانون الأساسي، فوقع بسبب ذلك خلف بين الوزراء أدى إلى استعفاء الوزارة، فانتدب السلطان للصدارة كامل باشا وتألفت وزارة جديدة فيها رجال أمائل مثل رجب باشا الأرناؤوطي ناظر الحربية وحسن فهمي باشا ناظر العدلية، وغيرهما. ولكن وزارة كامل باشا هذه شاهت حوادث ذات بال، مثل إعلان بلغاريا استقلالها التام، ومثل أن دولة النمسا أعلنت استلحاق ولايتي البوسنة والهرسك، ومثل أن الأروام أعلنوا إلحاق جزيرة كريت باليونان، وكان إعلان البلغار لاستقلالهم بموجب كتاب من أميرهم فرديناند إلى السلطان عبد الحميد في 15 أكتوبر سنة 1908 فأرسلت الدولة جوابا للحكومة البلغارية بأنها لا تستطيع الاعتراف بعمل مخالف لمعاهدة برلين، وكتبت إلى الدول تدعوهن إلى عقد مؤتمر لأجل النظر في ما أقدمت عليه بلغاريا من خرق هذه المعاهدة وكذلك احتجت الدولة على استلحاق النمسا والمجر لبوسنة والهرسك برغم كون النمسا والمجر اجتهدتا في استعطاف الدولة العثمانية، وعرضتا عليها تعويضات مالية وردت لها (سنجق نوفيبازار) من أصل بوسنة.