فأما العوامل الخارجية فهي مطامع الدول الأوروبية في أجزاء هذه السلطنة كل دولة منهن تحب أن ترث شقصا من هذه التركة فهي تدس الدسائس في البلاد التي هي مطمح نظرها حتى تتوصل منه إلى مأربها.
ولو كان سهم واحد لا تفيته
ولكنه سهم وثان وثالث
بل وكانت الأسهم التي تتلقاها الدولة العثمانية مما لا يعد ولا يحصى، ولكن المسلمين في السلطنة نظرا لمعرفتهم أن هذه الدولة هي ملجؤهم الوحيد، كانوا لا يريدون أن يعتقدوا زوالهم، فكانوا يتأوهون من جهة لحالتها هذه، ويجتهدون من أخرى في إصلاحها، ويظنون أن الإصلاح ليس بالمستحيل، وأن في استطاعة الدولة أن تنهض وتسترجع مكانها السابق، وذلك إذا كان السلطان يقلع عن سياسته الخاصة وعن حصر الأمور في يده، ويترك الاهتمام بالجواسيس، ويطبق على المملكة القانون الأساسي الذي كان بدأ به في أول سلطنته ثم عطله تعطيلا مؤقتا، فاستمر هذا التعطيل ثلاثين سنة. وكان الشبان على الخصوص يعتقدون أن لا نجاة للمملكة من السقوط إلا بإعادة الدستور، وانتخاب مجلس الأمة، وكان لذلك المهد كثير من رجالات الأتراك المتشبعين بمبادئ الحرية قد هجروا بلادهم وأقاموا بباريز وصاروا ينشرون نشرات ينتقدون فيها الحكم الحميدي ، ويبثون روح الثورة بين الناشئة، فكان السلطان يجتهد في إسكات هذه الفئة التي كانت تشوه سمعته في العالم الأوروبي، وكثيرا ما كان يتمكن من إرضاء أناس من هؤلاء الشبان بتقليدهم مناصب عالية، أو بإغداق النعم والعطايا عليهم، ولكن بقي هناك من هذه الفئة من كانوا لا يبيعون من السلطان سكوتهم، بل لبثوا يرفضون جميع ما يعرض عليهم من أموال أو مناصب. وكان في طليعة هؤلاء أحمد رضا بك المقيم بباريز، والذي كان يصدر جريدة حرة باسم «مشورت» تدخل إلى البلاد العثمانية سرا، والدكتور ناظم الذي كان من أركان جمعية الاتحاد والترقي - وشنقه مصطفى كمال من عهد قريب - وغيرهما.
ولما كانت الجمعيات الأرمنية بطبيعة الحالة تميل إلى إسقاط السلطان عبد الحميد مدت أيديها إلى هؤلاء الأتراك الذين كانوا قد هجروا أوطانهم إلى أوروبا، وشرعوا في التحريك لأجل إعلان الحكم الشورى في تركيا. وكان بعض المسيحيين من سورية مشتركين أيضا في هذه الحركة، وكل فئة من هذه الفئات كانت لها أغراض غير أغراض الأخرى في الحقيقة، ولكنها كانت تجتمع في نقطة واحدة وهي، مقاومة السلطان، والعمل لإسقاطه، وأخيرا انتدب بعض شبان الأتراك وألفوا جمعية سرية في سلانيك، وسموها «جمعية الاتحاد والترقي» وأخذوا يجتذبون على جمعيتهم كل الوطنيين المخلصين الذين قدروا على اجتذابهم برغم شدة المراقبة، حتى أن بعض المستخدمين في الحكومة انضموا إلى هذه الجمعية، وكانوا يجتمعون في المحافل الماسونية حتى يتقوا الشبهة فيهم. وكان معظم اجتهاد هذه الجمعية السرية متوجها إلى استجلاب الجيش حتى تصير في أيديهم القوة اللازمة لخلع السلطان، وتوفقت هذه الجمعية إلى استجلاب عدد كبير من الضباط، ولما كان عصائب البلغار واليونان يعملون بدون انقطاع في بلاد الرومللي، وكانت الدولة تسوق عليهم العساكر لأجل تطهير بلاد الروملي منهم، وكانوا يعملون في جوار سلانيك، تسنى لرجال الاتحاد والترقي أن يتصلوا بضباط الجيش، وأن يقنعوهم بأن هذه العصائب البلغارية واليونانية إنما تشاغب وتعثوا في الأرض لأجل الحصول على إدارة حسنة يستريح في ظلها السكان وهذه الإدارة غير ممكنة ما دام السلطان عبد الحميد على عرش السلطنة فأما إذا أمكن خلعه، وجعل الحكم في السلطنة دستوريا شوريا كم هو في سائر الممالك المتمدنة فإن جميع هذه المشاغبات تنتهي من نفسها، وتخلد جميع الأقوام إلى السكينة وهكذا تنجو السلطنة العثمانية من خطر السقوط المحدق بها. فشرب أكثر الضباط هذه المبادئ التي ليس بعجب أن تقبلها عقولهم، لأن المسيحيين من أروام، وبلغار، وسربيين كانوا يدعون أنهم لا يلجأون إلى الثورة إلا من سوء الإدارة وأنه إذا اصطلحت الإدارة فهذه تكون غاية أمانيهم، ويدخلون في الطاعة.