تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما في جزيرة كريت فكان النصارى قد طردوا المسلمين من جميع القرى واقتلعوا أشجارهم ودمروا بيوتهم، فالتجأ المسلمون إلى المدن واشتدت العداوة بين الفريقين، فهجم الكريتيون المسلمون ومعهم جماعة من عرب بنغازي على حارة النصارى في قندية فأحرقوها، وبطشوا بالمسيحيين، وحصل مثل ذلك في خانية حاضرة الجزيرة، فتعصبت الدول وأنذرت الدولة بأن تخرج عساكرها من كريت أو تعلن هي استقلال الجزيرة، وهي وإن لم تفعل ذلك دفعة واحدة فقد كانت تريد أن تصل إلى هذه الغاية تدريجيا، فأتت بالبرنس جورج ابن ملك اليونان وجعلته واليا للجزيرة، وبقيت هذه الحالة إلى أن انتهت الحرب البلقانية في زمن السلطان محمد رشاد. فتقرر ضم كريت إلى اليونان، وعاني المسلمون في كريت شدائد كثيرة وهاجر منهم قسم كبير إلى بلاد الدولة العثمانية.

ومنهم جماعات وصلوا إلى دمشق ولهم حارة في جبل الصالحية.

ومنهم جماعات تفرقوا في سائر الأقطار. وأناس ذهبوا إلى الإسكندرية، وكانت الدولة أسكنت منهم جماعة في الجبل الأخضر من برقة ولكن مهاجرتهم الكبرى وقعت بعد الحرب العامة، وانعقاد مؤتمر لوزان سنة 1923 وفيه تقررت مبادلة السكان، فأخرجوا جميع المسلمين الذين في الرومالي، أي في البلاد اليونانية من أوروبا وفي الجزر وكريت من الجملة، وقرروا إسكانهم في تركيا، وبمقابلة ذلك أخرجوا جميع الأروام الذين في بلاد الأناضول بدون استثناء، فلم يبق في تركيا رومي واحد إلا من كان غريبا، ولم يبق في بلاد اليونان مسلم واحد إلا عابر سبيل وقد حصلت مبادلة الأملاك والأراضي أيضا، وإنما وقع استثناء للأروام الذين في الأستانة، فإن مؤتمر الدول في لوزان لم يشأ إخلاء القسطنطينية عاصمة الروم القديمة من المسيحيين، فأبقوا فيها الأروام الذين لم يهاجروا من تلقاء أنفسه، وهم مئة وخمسون ألف نسمة وأبقوا في مقابلة ذلك الأتراك الذين في ولاية تراقية الغربية، أي الولاية التي إلى الغرب من أدرنة، وذلك لأن الأتراك المذكورين هم أكثرية هذه الولاية، ولم تكن لهم رغبة في المهاجرة.

وأما في جزيرة كريت، فلم يبق مسلم واحد، ولا في سائر جزر الأرخبيل الرومي ما عدا رودوس وأخواتها التي احتلتها إيطاليا في أثناء حرب طرابلس الغرب، ثم استلحقتها نهائيا، فهذه الجزر لم تتبع قاعدة تبادل السكان لكونها خرجت من ملك تركيا واليونان معا، فلا يزال عشرة آلاف من المسلمين في جزيرة رودوس، وبضعة آلاف في سائر الجزر العشر “dedocanaire”

وذلك تحت حكم إيطاليا. وانطوى بساط كريت كما انطوى بساط الأندلس بعد أن ملكها المسلمون ثلاث مرات، الأولى ي زمن بني أمية في دمشق، والثانية عندما احتلها ثوار قرطبة تحت إمارة عبد العزيز بن شعيب، والثالثة في أيام الدولة العثمانية، والله يرث الأرض ومن عليها.

وقد عرفت من أعيان كريت المسلمين رجلين، أحدهما أحمد نسيمي بك ناظر الخارجية العثمانية في أيام الحرب، وهو من أعز إخواني، وأمثل من عرفت في حياتي وأحسنهم أخلاقا، فضلا عن ذكائه وسعة إطلاعه، وكان يحدثني عن كريت الأحاديث والآخر فاضل بك أحد أعيان المسلمين في قندية، وقد كنت أسأله مرة عما يقال من حسن جزيرة كريت وزكاء تربتها، ولذة فواكهها وطيب نجعتها فقال لي: جميع ما تسمعه من هذا القبيل عن كريت هو الواقع، وربما أقل من الواقع، ولكن لا يوجد في الدنيا أكثر شرا من أهلها. وفزيلوس الوزير اليوناني المشهور كان هو العامل مع دول الحلفاء في خلع قسطنطين ملك اليونان كما لا يخفى وفي أخريات هذه الأيام ترأس ثورة على الحكومة اليونانية وهو قد بلغ من الكبر عتيا.

وفي زمن السلطان عبد الحميد ساءت الأحوال في مكدونية، لأن السلطان كان أكثر همة في المحافظة على شخصه، وكان شديد التخيل إلى درجة الوسواس. فاستكثر من الجواسيس، وصار بأيديهم تقريبا الحل والعقد، وليس من الصحيح أن السلطان كان يعمل بموجب تقاريرهم كما هو شائع، بل كان يرمي أكثرها ولا يصدق ما فيها، ولكن اهتمامه بقضية أخبار الجواسيس ألقى الخوف في قلوب الرعية وصارت في قلق دائم وأصبحت الناس تبالغ في الروايات عن الجواسيس فساءت سمعة الحكومة، وسخط الرأي العام على هذه الحالة، وبرغم ما كان السلطان يعفو ويصفح، ويجود ويمنح، كانت سمعته بعكس ما كان يفعل. وذلك بسبب كثرة الجواسيس وحصولهم على الحظوة عنده، فصار الناس يعللون جميع خطوب المملكة بسوء الإدارة، ويعللون سوء الإدارة بانتشار الجواسيس وفقد الحرية. وهذا وإن كان صحيحا إلى حد محدود، فليس بصحيح على إطلاقه، لأن خطوب المملكة كانت لها أسباب داخلية وخارجية، لا نذكر قضية الجواسيس في جوانبها شيئا. فأما العوامل الداخلية فهي انحطاط درجة التعليم عما يجب أن تكون واستيلاء الجهل، وانقسام سكان المملكة إلى أقوام شتى كل منها له هدف غير هدف الآخر، ومنها ما هو عدو عامل لا يرضيه إلا زوال الدولة العثمانية. ثم ما وقر في صدور الناس أجمعين من قرب أجل هذه الدولة فصارت أشبه بالمريض الذي انقطع الأمل من شفائه.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٦٥