ويقال إنه لا يزال في كريت قرى معروفة يقال إن أصل أهلها من العرب وسحناؤهم تدل على ذلك، ولا تزال عندهم عادات عربية محفوظة إلى اليوم. وقد ذكرنا في ما سبق كيفية فتح الدولة لكريت وأنها آخر فتوحات الدولة العثمانية وأنها بقيت تقاتل كريت سبعا وعشرين سنة إلى أن دوختها. وفي سنة 1766 عصت هذه الجزيرة الدولة ثم ساقت الدولة عليها عسكرا أدخلها في الطاعة، وسنة 1878 ثارت مرة ثانية فاتفقت الدولة مع أهلها على دستور خاص بهم وعينت لهم واليا مدته بحسب هذا الدستور خمس سنوات، وتقرر أنه إذا كان الوالي مسلما يكون له معاون مسيحي، وإذا كان مسيحيا يكون له معاون مسلم. وكذلك المتصرفون إذا كان المتصرف مسلما كان المعاون مسيحيا، وبالعكس. وكانت نواحي الجزيرة 88 ناحية منها 51 مختلطة أي مسلمين ونصارى، و34 مأهولة بمسيحيين فقط، وثلاث نواح ليس فيها غير مسلمين. وكان للجزيرة مجلس تشريعي يجتمع مدة أربعين يوما في السنة، وعدد أعضائه 80 منهم 49 مسيحيون و31 مسلمون، ولا يتقرر شيء إلا بثلثي الأصوات. ففي سنة 1881 طلب المسيحيون تعديل هذا الدستور بحجة أنه مجحف بحقوقهم، وأن التمثيل في المجلس غير متناسب مع عدد السكان، فإذا كان أعضاء المسيحيين فيه 50 وجب أن لا يزيد المسلمون على 25، والحال أن الدولة جعلتهم 31 ولا شك في أن الدولة كانت تعلم من استعداد أهل كريت للانفصال عنها ما جعلها تحتاط لمستقبل الحكم العثماني فيها، وتراعي الأقلية الإسلامية. ومع ذلك فمسلمو كريت كانوا لا يقلون عن ثلث السكان، وكان بينهم عدد غير قليل من عرب برقة وجماعات وافرة من مهاجري بوسنة والهرسك والبلغار المسلمين. ثم إن المسحيين في كريت اختلفوا مع الدولة من أجل الموازنة المالية لإدارة الجزيرة، واشتد الخصام في سنة 1887 فأرسل السلطان عبد الحميد المشير شاكر باشا لأجل إصلاح الأحوال فوجد أنه لا مناص من استعمال القوة، فإن المسيحيين خرجوا عن الطاعة وأبوا دفع الضرائب، وصاروا يعتدون على المسلمين في القرى التي أكرها مسيحيون، وصار المسلمون يرحلون من القرى إلى المدن لأنهم في المدن كانوا هم الأكثرية. فساق شاكر باشا القوى العسكرية على عصائب الأروام فشتت شملها، وأخلد الجميع إلى السكون برغم أنه كان لكريت جمعية في أثينا ترسل إلى كريت متطوعين وأسلحة فلما رأى اليونان أن الدولة العثمانية قهرت ثوار كريت هاجموا وطلبوا من حكومتهم إرسال الأسطول اليوناني إلى مراسي كريت بحجة حماية المسيحيين، حيث كان الأتراك بطشوا بالأروام في مدينتي «خانية» و«قندية» فلما رأت الدول استفحال الخطب أرسلن إلى مرسى «سودا» سفنا حربية فأنزلت عساكر في الجزيرة وذلك في 3 فبراير سنة 1897 ولم تشترك ألمانيا ولا النمسا في هذه الحركة، وإنما كانت الدول اللواتي تولينها إنجلترا، وفرنسا، والروسيا، وإيطاليا. فبدلا من أن الأروام يكنون إلى عمل الدول هذا، كان منهم أن أرسلوا في 10 فبراير الكولونيل فاسوس ومعه عدة توابير من الجند المنظم، وجماعة من المتطوعين، فساروا بالأسطول اليوناني ونزلوا بقرب خانية، وأنذرته الدول حتى يرجعوا، وألقت عليهم النار من سفنها فابتعدوا إلى داخل الجزيرة، وأعلنوا الحاق كريت لمملكة اليونان.
فعند ذلك أعلنت الدولة الحرب على اليونان، وزحف المشير أدهم باشا بمئة وخمسين ألف جندي على اليونان، فما انقضت مدة شهرين حتى تمزق الجيش اليوناني كل ممزق، ولوا أن أبرق قيصر الروسيا إلى السلطان عبد الحميد برجوه العفو عن اليونان والتوقف عن متابعة الحرب، لكان الأتراك دخلوا أثينا واستولوا على اليونان كلها. فلم يسع السلطان إلا إجابة رجاء القيصر، وانعقد مؤتمر الصلح، وبعد مذاكرات طويلة تقررت إعادة الجيوش العثمانية من بلاد اليونان كما دخلت بدون أن تجني الدولة العثمانية أدنى ثمرة من انتصارها عملا بالقاعدة الأوروبية، إن ما يؤخذ من الهلال للصليب لا يعاد، وإن ما يؤخذ من الصليب إلى الهلال لابد من إعادته.. فكل نتيجة تلك الحرب كانت تصحيح بعض الحدود بين تركيا واليونان، بحيث أن جميع ما استردت الدولة من تساليا كان عبارة عن قريتين، ولكن أجبرت الدول اليونان المغلوبة على دفع غرامة حربية أربعة ملايين جنيه كلفة الحملة العثمانية. على أن الدولة استفادت فائدة أدبية لا تنكر بهذه الحرب، لأنها كادت في مدة شهرين لا غير تستولي على بلاد اليونان كلها، واجتاز الجيش العثماني جبالا يحار العقل كيف اجتازها بهذه السرعة!! ومن ذلك الوقت خمدت الحركة الأرمنية، واستراحت الدولة مدة سنوات من مشكلات الأرمن، ووقفت الدول عن مطالبتها بتنفيذ برنامج المطالب الأرمنية.