تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما وقع هذا الانتقام من الأرمن، واتهم الأجانب رجال الشركة وناظم باشا ناظر الضبطية بأنهم أغضوا النظر على ذبح الأرمن، وأنهم كانوا يقدرون على منع الشر فلم يمنعوه، أبعد السلطان ناظم باشا عن الأستانة وجعله واليا على بيروت، وعزل سعيد باشا الصدر الأعظم وجعل مكانه كامل باشا. ثم أصدر خطا سلطانيا يتضمن قبول اقتراح الدول وتشكيل مجلس مراقبة لسير الإصلاحات، ولكن خبر ثورة الأرمن والمذبحة التي حلت بهم كان انتشر في ولايات الأناضول وامتلأت صدور المسلمين غيظا منهم.

وكان للأرمن حينئذ بطريرك اسمه إزميرليان عقد الأرمن به جميع آمالهم، وكانوا يبالغون في مدح مناقبه لأنه كان يقوي عزائمهم، ويجدد روحهم القومية، فازدادت حركتهم نموا. ولما كان الأرمن غير مقتصرين في حركتهم هذه على البلاد العثمانية بل كانت هذه الحركة ممتدة إلى بلاد القوقاس، فقد تنكر لها رجال الدولة الروسية أيضا، وسعوا لدى الباب العالي في استبدال بطريك آخر بالبطريرك إزميرليان الذي كانت الروسيا ترى فيه مصدر هذه الحركات، فإنه كان يعارض في إلغاء التعليم الأرمني في القوقاس، والروسيا تأتي إلا التعاليم الروسي وحده، ولما كان طلب الروسيا موافقا لهوى تركيا، فقد حملت الدولة العثمانية هذا البطرك على الاستقالة فاستعفى في 2 أغسطس سنة 1896 وعين مكانه بطريكا رلتماوس مطران بروسة، فبلغ الأرمن من الحنق لهذا التبديل أن أجمعت جمعياتهم الثورية الهجوم على القصر السلطاني، ووزعوا الأسلحة سرا على كثير من أعضاء الجمعيات، وعينوا عيد الجلوس موعدا لهذه الحلة إذ يكون الشعب التركي غافلا متصرفا إلى إعداد الزينة بعيد السلطان. فوصل الخبر إلى السلطان بواسطة البطريرك برلتماوس نفسه، ويقال إن الحكومة الروسية هي نفسها أبلغت السلطان خبر هذه المؤامرة لأنها كانت تكره جمعيات الأرمن الثورية وتعلم اتصالهم بحزب النيهيلست الذين كانوا اغتالوا القيصر إسكندر الثاني: فأخذ السلطان حذره وتهيأت الضابطة للتنكيل بثوار الأرمن. وفي 26 أغسطس سنة 1896 دخلت عصابة من الأرمن إلى البنك العثماني بغتة ومعهم أكياس ملأى بقنابر الديناميت، وقتلوا الجند المحافظ على البنك، وقصدوا الاستيلاء على خزانة البنك فجاء الجند وأحاطوا بهم من الخارج وصاروا يطلقون النار عليهم وهم يقابلون الجند بالمثل، وشاع في الأستانة أن ثوار الأرمن حاولوا نسف البنك العثماني، فهاج الشعب التركي وصاروا يقتلون الأرمن أينما ثقفوهم، فحصلت مذبحة استمرت ثلاثة أو أربعة أيام فقتل منهم ألوف، وكان سيقتل أضعاف ذلك لولا أن كثيرين من المسلمين حموا كثيرين من الأرمن وآووهم في بيوتهم، وكان كثير من رجال الدولة وقوا الأرمن في الحارات التي تجاور بيوتهم. وامتاز بين هؤلاء المشير فؤاد باشا الجركسي.

فأما العصابة التي دخلت إلى البنك فقد أخرجوها تحت ضمان سفراء الدول وأبعدوها من الأستانة، بعد أن كانت هذه العصابة هي سبب ذبح عدة آلاف من الأرمن ربما كان كثير منهم أو أكثرهم أبرياء.

وكانت جزيرة كريت - أو أقريطش - قد أخذت تتحرك وذلك لاختلاف وقع بين أهالي الجزيرة وبين الدولة، وكانت الثورة في كريت خلقا متأصلا في أهل هذه الجزيرة، ويقال إنهم مفطورون على القلق والشغب وقد كانوا كذلك في القديم قبل الدولة العثمانية بل قبل الدولة الرومانية نفسها، وفي هذه الجزيرة حل ثوار قرطبة الذين بطش بهم الكم الأموي أمير الأندلس في وقعة الربض المشهورة، فجلا منهم طائفة إلى فاس، وسارت طائفة أخرى بضعة عشر ألف نسمة إلى الشرق فنزلوا في الإسكندرية وثاروا فيها على الدولة العباسية، فقاتلهم عمال مصر من قبل بني العباس وأخرجوهم من مصر إلى جزيرة أقريطش قائلين لهم ليتبوأوا منها ما يشاؤون. فذهبوا ونزلوا بهذه الجزيرة، وأسسوا لأنفسهم إمارة مستقلة في جانب من أقريطش تحت رئاسة عبد العزيز بن شعيب البلوطي، واستمرت هذه الإمارة على استقلالها أكثر من مئة سنة. ثم أرسل عليهم الروم من بيزانطية جيشا حصرهم حتى استسلموا وأخذ أميرهم أسيرا إلى القسطنطينية، وشردهم من تلك الجزيرة، ومن بقى منهم فيها تنصروا.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٦٣