ولما وجودوا من عشقيان أفندي فتورا في المراجعة هجموا عليه وهو في كنيسة «قوم قبو» وحاولوا قتله ففر من بين أيديهم وتوارى ريثما جاءت الشرطة فقبضت على الثائرين وألقوا عددا كبيرا من شبان الأرمن في غيابات السجون. وكانت تشكلت في استانبول لجنة أرمنية ثورية اسمها «اللجنة الحمراء» يديرها أرمني من التبعة الروسية اسمه «آغوب بدريكوف» وأخذت هذه الجمعية السرية تفتك بالأرمن الذين كانوا لا يوافقون على الثورة فقبضت السلطة على بدريكوف هذا وحكمت عليه المحاكم بالقتل، ولكن السلطان عفا عنه وسلمه إلى سفارة الرسيا على شرط إخراجه من الأستانة وخرج، ولكن اغتيال الأرمن الصادقين للدولة بقى مستمرا، وكانت هذه الوقائع سنة 1890.
ثم إن جمعيات الأرمن لاسيما التي يقال لا «هيكان» ازداد جرأة وأخذت تبث حركة العصيان في الأناضول فاشتعلت الفتنة في سيواس، وأنقرة، وقونية، وأطنة وقبضت الدولة على المشاغبين، وأخذت بمحاكمتهم، وأكبر الناس - حتى عقلاء الأرمن أنفسهم - هذه الحركات وأصدر البريرك عشقيان أفندي منشورا ينصح فيه أمته بالإخلاد إلى السكون وتجنب هذه الحركات المخالفة للأمانة للدولة، ولمصلحة الأرمن أنفسهم. فما مضى على ذلك أيام قلائل حتى أطلق أحد المنسوبين إلى هذه الجمعيات الرصاص على البطريرك وهو في كنيسة قوم قبو، ولكنه أخطأه، فأخذت الحكومة العثمانية تشدد في معاقبة ثوار الأرمن.
وفي أثناء ذلك نجمت بوادر الثورة في جبل يقال له «جبل ساسون» من سنجق موش، في ولاية بتلس. وذلك بأن أهالي هذا الجبل كانوا امتنعوا عن تأدية الضرائب، فأبرق والي بتلس إلى الباب العالي عن عصيان أهالي هذا الجبل، ووجوب تأديبهم. فأرسلت الدولة المشير زكي باشا بقوة من المشاة والخيل والمدفعية فدمروا ديار العصاة، وجعلوا عاليها سافلها. فما وصلت أخبار إيداب الدولة لعصاة الأرمن إلى صحف أوروبا حتى قامت قيامتها، وأخذت تتكلم عن مذابح الأرمن كما هي عادتها كلما ثار ثائر أمة مسيحية على حكومة إسلامية.
وما زالت الصحف الأوروبية تضرب على هذا الوتر حتى أمر السلطان عبد الحميد بإرسال لجنة تحقيق إلى محل الواقعة، ودعا الدول التي هن موقعات على معاهدة برلين أن ترسل معتمدين من قبلها مع اللجنة المذكورة ليشهدوا سير التحقيق، فجرى التحقيق بحضورهم وثبت عصيان الأرمن بشهادات تفوق الإحصاء وأدلة لا تقبل المراء ومع ذلك فقد بقي قناصل الدول فرنسا وإنجلترا والروسيا يدعون أنهم لم يقدروا أن يتصلوا تمام الاتصال بالأهالي حتى يتطلعوا على الحقائق. ثم عندما وجدوا كون هذا العذر واهيا جعلوا يقولون إنه على فرض وقوع عصيان فلم يكن من العدل أن يتناول العقاب جميع أهالي الناحية والحال أنه قد بطش الأكراد بالا ومن الذين ثاروا على الدولة وذلك بمرأى ومسمع من العساكر العثمانية، وأخذت الصحف الأوروبية تحت تأثير الكنائس لاسيما في إنجلترا تستفز الدول إلى التدخل لرفع المظالم عن الأرمن ولما كانت إنجلترا تسمع كثيرا لرؤساء الكنائس في بلادها سعت لدى الدول في التدخل بهذه المسألة فأجابتها فرنسا والروسيا، واتفقت الدول الثلاث على تقديم اقتراحات للسلطان لأجل إصلاح الإدارة في البلاد التي كان الأوروبيون يطلقون عليها اسم «أرمينية» وهي في الحقيقة بلاد الأكراد.
فمن جملة هذه الاقتراحات تعيين مفتش عام لتلك الولايات، وتشكيل لجنة مختلطة دائمة لمراقبة سير الإصلاحات، ويكون مركز اللجنة في الأستانة. فرفض السلطان قبول تشكيل هذه اللجنة الدائمة المختلطة، وعين المشير شاكر باشا مفتشا عاما لولايات شرقي الأناضول، فرفضت الدول تعيين هذا المتفش، وأصرت على تعيين مراقبين أوروبيين وجرى بينها وبين السلطان كثير من الأخذ والرد، والسلطان ثابت لا يتزعزع. فخطب اللورد ساليسبوري في مجلس اللوردية خطابا أنذر به السلطان بسوء المصير إذا لم يقبل نصائح الدول، فاشتد بذلك عزم ثوار الأرمن وقاموا بمظاهرة عظيمة بحجة أنهم يطالبون بتنفيذ الإصلاحات الموعودة، فعند ذلك هجم عوام المسلمين على الأرمن في نفس العاصمة وذبحوا منهم عددا كبيرا، لأنهم رأوا الأرمن يتعمدون إثارة الفتنة سبيلا لإدخال الدول الأوروبية في أمور السلطنة الداخلية. وهذا ما كان يقصده الأرمن فعلا، وكان يعتقدون أن في ذبحهم فائدة لأنفسهم في المستقبل.