تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنه بقي في يد مصر القسم الأكبر من شبه جزيرة سينا، فأراد العثمانيون إجراء تحصينات في القلاع التي إلى الغرب من العقبة، فاعترضت إنجلترا على الدولة في ذلك، فأصر السلطان على التصرف ببلاده بحجة أنها بأجمعها بلاد عثمانية، فاستبد الإنجليز في هذه المسألة استبدادا شنيعا، وأنذروا الدولة بالحرب. وكأن مصر أصبحت في نظرهم من جملة الإمبراطورية البريطانية، فازداد السلطان عبد الحميد شنآنا لبريطانيا العظمى، وكان ذلك من جملة أسباب موالاته لألمانيا. وانعقدت بينه وبين الإمبراطور غليوم الثاني مودة أكيدة صارت تزداد بمرور الأيام، وعول السلطان على ألمانيا في تدريب جيشه، واستدعى «فون غولتس» من قواد ألمانيا ليكون على رأس المدرسة العسكرية في الأستانة واستجاد غيره من أهل العلم والصنعة في ألمانيا واستخدمهم في حكومته. وكان يرسل كل سنة عددا كبيرا من الطلبة إلى ألمانيا، وبقي السلطان عبد الحميد صديقا للإمبراطور غليوم إلى نهاية ملكه.

ولما أعلن الدستور العثماني وصار الأمر إلى جمعية الاتحاد والترقي، ظن رجال هذه الجمعية أنهم يتركون صداقة ألمانيا التي كانت تعتمد على السلطان عبد الحميد وتنال بواسطته الامتيازات في تركيا، ومن جملتها سكة حديد بغداد، رأوا أن يرجعوا إلى صداقة إنجلترا، وأخذوا يتزلفون إلى هذه ويذكرونها بالصحبة القديمة يوم كانت إنجلترا تساعد العثمانيين على الروس، ويوم كان السلطان عبد الحميد في ثورة الهند الكبرى يخاطب مسلمي الهند ناصحا لهم بعدم الاشتراك مع الهنادك في محاربة الإنجليز، إلا أن المسألة المصرية منعت كل تقارب بين العثمانيين والإنجليز وما مضت ثلاثة أشهر على حكم الاتحاديين في تركيا حتى رجع الاتحاديون وأدركوا أن لا أمل في عطف الإنجليز وعادوا أصدقاء لألمانيا كما كان السلطان عبد الحميد وبقيت الأحوال بين تركيا وإنجلترا مشربة بروح العداوة إلى الحرب العامة أي كانت قد بدأت العداوة بين إنجلترا وتركيا من سنة 1882، لأجل مصر واستمرت إلى 1914 أي إلى سنة الحرب العامة وهي مدة اثنتى وثلاثين سنة. وذلك كله بسبب احتلال الإنجليز لمصر والسودان وتوابعهما. ثم خاضت الدولة غمرات الحرب العامة إلى جانب ألمانيا نفورا من انجلترة، ولما بدأت الحرب الكبرى وحاولت دول الحلفاء الروسيا وفرنسا وانجلترة إقناع الدولة العثمانية باجتناب الحرب، كان أول شرط اقترحه رجال الدولة هو إخلاء الإنجليز لمصر، وكان الأتراك مستعدين أن يقبلوا التحالف مع الإنجليز إذا أراد هؤلاء إخلاء مصر، فلم يقبل الإنجليز أن يسمعوا كلمة واحدة في هذا الموضوع.

وعندما دخلت الدولة في الحرب العامة أعلنت انجلترة الحماية على مصر، وخلعت الخديوي عباس حلمي المنصوب بفرمان سلطاني، ونصبت عمه الأمير حسين بن إسماعيل سلطانا على مصر، وأرادت تجنيد جيش من المصريين لقتال الأتراك فاعترض على ذلك السلطان حسين نفسه لأنه كان وطنيا صادقا، ورضي بعض زعماء مصر بالدخول في الحرب إلى جانب انجلترة على شريطة أن انجلترة تعترف باستقلال مصر وتخلي وادي النيل فرفضت انجلترة هذا الطلب أيضا وأصرت على إرادتها وساقت من المصريين عشرات الألوف استخدمتهم في جيوشها، وتصرفت برجال مصر وأحوال مصر كما تتصرف بالهند أو بغيرها من المستعمرات الإنجليزية.

وكانت انجلترة لا تفكر أصلا أن تلقي شيئا من القوة الحيوية التي ظهرت من السلطنة العثمانية في أيام الحرب الكبرى، ولكن عندما حمى الوطيس ورأت دول الحلفاء ما رأته من قوة تركيا، وعظمة المقام الذي قامته بجانب ألمانيا، علمت خطل رأيها وكونها استخفت بتركيا استخفافا دلت الحوادث على أنه لم يكن في محله. ففكر قواد الإنجليز في اختراق الدردنيل والاستيلاء على الأستانة، وعبأ الخلفاء جيشا جرارا وأرسلوا أساطيلهم وحاولوا عبور مضيق الدردنيل، فقاتلهم العثمانيون قتالا شديدا وأغرقوا جانبا من بوارجهم، فأتوا بجيوش أخرى وأنزلوها في البر وحاولوا التقدم إلى الأمام، فصادمهم الترك بشدة استبسلوا فيها إلى أقصى ما يتصور العقل. واستمرت حرب الدردنيل هذه ثمانية أشهر والحلفاء يكرون والعثمانيون يصدونهم إلى أن قطع الحلفاء كل أمل من الفوز وركبوا بوارجهم خائبين، وقد فقدوا بين قتيل وجريح ثلاث مئة وخمسة وعشرين ألف جندي حسبما قرأت في وثائق الحرب الكبرى المطبوعة في باريز، وفيها أن هذا العدد هو خسائر الجنود البرية، ولم يدخل فيه عدة آلاف من خسائر الأساطيل، وقد جاء في هذا الكتاب أن بعض البوارج التي أغرقها العثمانيون بمدافعهم لم ينج من بحريتها إلا عشرون جنديا لا غير، وقد كانت حرب الدردنيل هذه هي ألمع صفحة من تاريخ العثمانيين في الحرب الكبرى، كما كانت حرب بلفنة ألمع صفحة في تاريخ الحرب الروسية التركية. وتعدل خسائر العثمانيين في حرب الدردنيل بمئتي ألف مقاتل بين قتيل وجريح.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٥٩