تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما رأت انجلترة بعينها أن حسبانها من جهة تركيا وقوة مقاومتها كان أكثره خطأ، عادت ففكرت في فصل العرب عن الترك حتى تشغل العثمانيين بعضهم ببعض.

وقد كان الشريف حسين بن علي، أمير مكة قبيل الحرب الكبرى داخل الإنجليز في عقد محالفة معهم على أن يثور على الدولة وتمده إنجلترا بالمال والسلاح على أن تستقل البلاد العربية وتنفصل عن تركيا، فرفضت انجلترة اقتراح أمير مكة هذا استخفافا بالقوة العربية، واعتمادا على أنها لا تحتاج إلى العرب في القضاء على تركيا إذا نشبت الحرب، وكان معلوما أن الحرب العامة ستقع لا محالة، لذلك اتفق الإنجليز والفرنسيس على اقتسام سورية وفلسطين منذ سنة 1912، أي قبل الحرب العامة بسنتين. وهذا من أوضح الدلائل على كون دول الحلفاء كانت تتأهب لقتال ألمانيا ولاقتسام تركيا بعد تغلبهم على ألمانيا، وأيضا يستدل على تلك النية التي كانت عندهن بأن تركيا في أول الحرب العامة عند ما صار الحلفاء يراودونها على عدم الدخول في الحرب أجابتهم بأنها لا تقدر أن تبقى على الحياد التام خوفا من أن يتفق الجميع عليها ويتصالحوا على ظهرها، فهي إن لم تدخل في الحرب إلى جانب ألمانيا، فلابد لها من الدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء تحت محالفة تعقد بينهم وبين تركيا. فرفضت انجلترة هذا الاقتراح، ولم تجد من حاجة إلى عقد محالفة مع تركيا قد تمنعها فيما بعد من الاستيلاء على البلاد العربية. وهذا مثل رفضها للتحالف مع مصر وللسبب نفسه وكذلك مثل رفضها للتحالف مع إيران وللسبب نفسه، أي حتى لا تضطر إلى الاعتراف باستقلال هذه الممالك الإسلامية التي كان الإنجليز وضعوا نصب أعينهم القضاء عليها.

ونعود إلى أخبار السلطان عبد الحميد فنقول: إن من أهم الحوادث التي جرت في أيام هذا السلطان هو فتنة الأرمن، وهذه الفتنة أساسها أن الأرمن كانت لهم في الأعصر القديمة دولة، وكان لهم استقلال، وكانت مملكتهم واقعة في شرقي الأناضول بين المملكة البيزنطية والمملكة الفارسية، ولما استولى الأتراك على تلك البلاد في أيام الأتراك السلاجقة، وبعد واقعة ملازكرد التي وقع فيها قيصر القسطنطينية أسيرا رحل منهم جانب إلى غربي الأناضول، وأقاموا في جبال طوروس وفي سهول كيليكية. وكانت لهم هناك إمارات لعبت أدوارا في الحروب الصليبية، وسواء كانوا في شرق الأناضول أو في غربيه، لم تكن لهم أكثرية عدد بالنسبة إلى السكان المسلمين. وإذا وجدت منهم جماعة في مقاطعة صغيرة كانت أكثر من غيرها فلم يكن ذلك ليقيم لهم ملكا مستقلا، وقد كانت الدولة العثمانية أحصت عددهم في جميع بلادها فكانوا لا يزيدون على ثلاثة ملايين مبعثرة ما بين خمسة وعشرين إلى ثلاثين مليونا من الأمم الأخرى. ففي بعض الولايات كانوا خمسة في المئة، وفي بعضها عشرة في المئة.

وأكثر الولايات سكانا من الأرمن كانت ولايات موش، وبتلس، في شرقي الأناضول وكانوا هناك خمسة وثلاثين في المئة، وبرغم هذا كله كانوا يزعمون أن لهم حقا في الاستقلال كما استقل اليونان، والبلغار، والسربيون، والفلاخيون وغيرهم من الأمم المسيحية التي كانت خاضعة لسلطنة آل عثمان. ولكن هذا قياس مع الفارق، فإن الفلاخيين والبغدانيين كانوا عدة ملايين من أمة واحدة، وعلى حدود الروسيا ولم يكن بينهم إلا مئتان أو ثلاث مئة ألف من الترك، وإن السربيين كانوا مليوني نسمة، وليس بينهم سوى بضعة عشر ألف مسلم. وكذلك البلغار كانوا خمسة ملايين وليس بينهم سوى مليون من الأتراك، وكان اليونان من قبل أكثر من مليون في بلادهم وليس بينهم إلا مائتان أو ثلاث مئة ألف من المسلمين. فلذلك تيسر لهذه الأمم أن تقوم وتدعي الاستقلال، وتقاتل الدولة العثمانية قتالا لم يكن يخمد حتى يشتعل، واستمر ذلك مئات من السنين، فانتهى الأمر بانسلاخ هذه الأقوام عن السلطنة العثمانية بمساعدة أوروبا.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٦٠