تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانقسم الناس في مصر إلى قسمين، منهم من استمسك بالخديوي وقاوم العرابيين بحجة أنهم خارجون عن السلطة الشرعية.

ومنهم من انحاز إلى العرابيين بحجة أنهم المدافعون عن الوطن، وحشد العرابيون جيشا في التل الكبير وصمموا على المقاومة هناك فزحف إليهم الإنجليز وبددوا شملهم في أقل من ساعتين، ثم سارت العساكر الإنجليزية ودخلت القاهرة، وكل هذا بزعمهم على نية تأييد الخديوي، والرجوع من حيث أتوا، ولبث الجيش الإنجليزي مدة من الزمن في مصر بحجة توطيد سلطة الخديوي المتزعزعة، فكلما طالبت الدولة الإنجليز بالجلاء عن مصر كان جوابهم إن هذا يكون بعد توطيد الأمن، وتمكين الخديوي وكيل السلطان الشرعي. ثم أنهم عقدوا مجالس عسكرية، وحاكموا العرابيين، ونفوا عرابي باشا ومحمود سامي باشا وعددا من الباشوات إلى جزيرة سيلان في الهند، كما أنهم نفوا عددا من الضبط الكبار إلى بيروت، ونفوا أيضا معهم إليها الشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني وغيرهما من الوطنيين أصحاب الأقلام، وطال مكث الإنجليز في مصر والباب العالي يعترض عليهم ويطلب جلاءهم بحسب وعدهم، حتى أنهم أحصوا مواعيده الرسمية بالجلاء فبلغت اثنين وستين وعدا نكثوا بها كلها! وكان احتال الإنجليز لوادي النيل سنة 1882 وبعد أخذ ورد طويلين بين إنجلترا والباب العالي وصل الفريقان إلى اتفاق على الجلاء اشترطت فيه إنجلترا حق احتلالها لمصر فيما إذا تجددت فيها حوادث مخلة بالأمن، أو وقائع ذات خطر على حياة الأوروبيين، وكاد السلطان عبد الحميد يوقع على هذا الاتفاق، إلا أن فرنسا ألحت عليه برفضه فامتنع في آخر ساعة من التوقيع عليه.

وكان مراد فرنسا الحقيقيأن تفق هي رأسا مع إنجلترا فتترك منازعتها على مصر بمقاببلة تخلي إنجلترا عن منازعتها إياها على مراكش، وهكذا تم بينهما فيما بعد وأصبحت إنجلترة في مصر لا ينازعها سوى الدولة العثمانية التي كانت مشكلاتها الكثيرة وعداوتها مع الروسيا تقيدها تقييدا شديدا عن الاندفاع في عداوة إنجلترا. وأما فرنسا فبطل اعتراضها على إنجلترا في احتلال مصر بمقابلة سكوت إنكتلرة عن احتلال فرنسا للمغرب.

وبقيت الحال على غير استواء بين إنجلترا والدولة العثمانية مدة سلطنة عبد الحميد كلها، وذلك كله بسبب مصر، وكان السلطان قد أرسل إلى مصر الغازي مختار باشا مندوبا من قبله لملاحظة مصالح الدولة، وكان المصريون يجلون مختار باشا مزيد الإجلال باعتبار تمثيله للسلطان الخليفة، وأيضا بسبب كونه في نفسه قائدا عظيما، وعالما كبيرا، ولكن الإنجليز لم يجعلوا له سبيلا لأي تدخل في أمور مصر، ووضعوا هناك مسيطرا على مصر السر «افلين بارنغ» الذي لقبوه فيما بعد «باللورد كرومر». وكان هذا الرجل شديد الغطرسة، متكبرا فظا، وله عداوة خاصة للإسلام، فتصرف بأمور مصر كما لو كانت إحدى مستعمرات إنجلترا، وفي زمانه ثار السودانيون تحت قيادة محمد أحمد الذي لقب نفسه «بالمهدي» فقالوا له المتمهدي، وانفضوا على المعسكر المصري الإنجليزي الذي كان يقوده «غوردون باشا» فاستأصلوه، وكان عدده عشرة آلاف جندي. واستولى المهدي على السودان وانقطع الحكم الإنجليزي المصري من هناك، ومات المهدي فخله «التعابشي» وكان هذا ظالما عاتيا جبارا، فأسرف في سفك الدماء، وأفنى كثيرا من الخلق فتغيرت عليه قلوب الأهالي وصاروا يريدون التخلص منه.

وفي ذلك الوقت قرر الإنجليز استرجاع السودان، فجهزوا جيشا مصريا عهدوا بقيادته إلى ضباط منهم، وأنفقوا على الحملة من خزانة مصر، وفتحوا السودان ولكن بدلا من أن يردوه إلى مصر كما كان جعلوا الحكم مشتركا بينهم وبين المصريين - بزعمهم - والحقيقة أنهم جعلوا شركة لمصر بالاسم فقط، وبرفع العلم المصري، وقبضوا على كل شيء، وتصرفوا بكل شيء كما يشاؤن. وهم الذين أذنوا لإيطاليا في احتلال مصوع، وعصب، والاستيلاء على بلاد عثمانية واسعة كانت تحت إدارة الحكومة المصرية، ولما احتل الإنجليز مصر كانت الحكومة المصرية تدير من قبل الدولة شمالي بلاد الحجاز، ففي الحال فطن والي الحجاز لمغبة هذا الأمر، وأخرج قضاء الوجه من تحت الإدارة المصرية.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٥٨