تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي زمن السلطان عبد الحميد وقعت الحادثة الجلى وهي احتلال الإنجليز لمصر وبسببها نفر السلطان من إنجلترا نفورا شديدا، وصار الإنجليز يعملون بكل الوسائل لهدم بنيان السلطان العثمانية. وقد تقدم لنا في هذا التاريخ أن عيون الإنجليز كانت طامحة إلى مصر منذ قرون، وأنها على آثر خروج الفرنسيس من مصر أرادوا أن يستأثروا هم بها، ولكن محمد علي لم يكن كالمماليك، فأجبر الإنجليز على الخروج من مصر وبقيت إنجلترا تترصد الفرصة لاحتلال وادي النيل في أول فرصة، لاسيما بعد فتح برزخ السويس الذي جعل طريق الهند على مصر.

وكأن إنجلترا استأجرت قبرص من الدول العثمانية لتكون لها قاعدة بحرية في وجه مصر، وقد حدث أن الجيش المصري كان فيه عنصران؛ أحدهما عربي مصري والآخر تركي وشركسي، فحصل خلاف بين العنصرين لم يعرف العقلاء أن يتداركوه ولا حسبوا حسابا للعواقب، فنشأ عن هذا الخلاف حزب وطني مصري ترأسه الميرالاي «أحمد عرابي» وصار هذا الحزب يطالب بحقوق المصريين الاقحاح ووقف موقفا مناوثا للخديوي توفيق باشا. فشعر الإنجليز بأن هناك حركة يمكنهم أن يستفيدوا منها، فأخذوا يتدخلون فيها بحجة أن لهم مصالح مالية في مصر يخشون عليها، وكانت أمنيتهم القديمة وهي الاستيلاء على الديار المصرية. فأعملوا في هذا الموضوع جميع الدسائس التي اشتهروا بها، ولم تكن شهرتهم فيها بدون أساس. فأخذ الحزب الوطني ينمو تحت رعاية عرابي ومحمود سامي وغيرهما من الزعماء، وانقلب عن أصله فبدلا من أن يكون منحصرا في دائرة ضيقة مناوئا للآتراك والشركسي، أصبح حزبا هدفه الأسمى كسر نفوذ الأوروبيين في مصر، لأن نفوذهم كان بلغ في زمن إسماعيل باشا مبلغا لا يكاد يتصوره العقل، فإن إسماعيل وضع نصب عينه إدخال مصر في المدنية العصرية الأوروبية، وظن أن من لوازم هذا المبدأ ترغيب الأوروبيين في السكنى بمصر وتمييزهم على الأهالي في كل شيء، فانتهى الأمر بأن أصبح الأهالي في حكم العبيد للأجانب.

فلما تألف هذا الحزب الوطني نظر إلى حالة البلاد فوجدها أصبحت لا تطلق من جهة النفوذ الأوروبي، فترك مناوأة الترك والشركس واتحد معهم على مناوأة الإفرنج، وأخذ الإنجليز يشعلون النار حتى يحدثوا ثورة من المصريين على الأوروبيين وكان السلطان عبد الحميد قد ارتكب هو وأعوانه خطأ كبيرا ساعد الإنجليز في الوصول إلى مرامهم، وذلك أنه أخذ يقوي الحركة العرابية بطريق غير مباشر على أمل إسقاط الخديوي توفيق وعائلة محمد علي كلها، وإعادة مصر ولاية عثمانية كسائر الولايات، وكان هذا رأيا سقيما جدا. إذ لا يعقل أن الدولة بمكانها من الضعف وكثرة المشكلات والخطوب تفتح على نفسها أبوابا كهذه يتعذر عليها سدها فيما بعد وتجعل العائلة الخديوية ضد الدولة أحوج ما كان الفريقين إلى الوئام لما هناك من الخطر الأجنبي على الاثنين، ثم إنه لما شعر الأجانب بأن الحركة العرابية منظور إليها بعين الرضا في الأستانة، طلبوا من السلطان أن يصدر فرمانا بعصيان عرابي باشا ولم يسعه إلا إجابة طلبهم فبعد أن كانت سياسة الأستانة مشجعة للعرابيين على العصيان رجعت تحت الضغط الأجنبي إلى تقوية الخديوي وكسر نفوذ العرابيين بحيث انفض عنهم كثيرون بحجة أن السلطان الخليفة أعلن عصيانه.

ومع هذا فبقيت الثورة تمتد وتشتد حتى جرت مذبحة الإسكندرية، وذهب فيها كثير من الأجانب، وانتشرت الفوضى في البلاد، وهذا الذي كانت إنجلترا تتمناه حتى تدخل من هذا الباب وهو حماية أرواح الأجانب، وبالفعل دخلت منه وجاء الأسطول الإنجليزي فضرب الإسكندرية ودمر قلاعها بالقنابر، ثم بعد تدميرها نزلت العساكر الإنجليزية إلى البلدة، ثم وقعت الحرب بين الإنجليز والعرابيين وكان الإنجليز في ظاهر الحال يحاربون باسم الخديوي والسلطة الشرعية.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٥٧