ومن جهة آسيا تضاف قارص وأردهان وباطوم وتوابعها إلى الروسيا؛ وأن تدفع الدولة العثمانية غرامة حربية وتعويضات لتجار الروس الذين لحقتهم خسائر بسبب تدمير الأسطول العثماني لسواحل الروسيا، وهذا هو مجمل معاهدة برلين، وبعد ذلك اتفقت الدولة على إنجلترا على أن تتخلى لها عن التخلي تعهدت إنجلترا للدولة بأنه إن تجاوزت الروسيا على حدود تركيا من جهة آسيا تكون إنجلترا مساعدة لها ثم تقرر بموجب «معاهدة برلين» هذه أن تحتل النمسا ولايتي بوسنة والهرسك احتالا مؤقتا، ولما دخلت الجيوش النمساوية هاتين الولايتين ثار في وجهها مسلمو تلك البلاد وبقيت المعارك بين الفريقين مدة أربعة أشهر، ولم يساعدهم الأهالي السربيون في شيء بل انحصرت المقاومة في المسلمين. وكذلك ثار الأرناؤوط في وجه الجبل الأسود وأبوا أن يلتحق من بلادهم شيء بحكومة الجبل المذكور. وكان الشركس والطاغنسطانيون ثروا على الروس في أثناء الحرب بين الدولة والروسيا، فلما انكسرت الدولة هاجر منهم مئات آلوف إلى الأناضول. وبعد مضي عدة سنوات على معاهدة برلين شن إسكندر أمير البلغار الغارة على ولاية الرومللي الشرقية، وألحقها بامارة البلغار، فصارت الولايتان واحدا، وفكر السلطان عبد الحميد في سوق جيش لإرجاع الشيء إلى ما كان عليه، إلا أن كامل باشا أشار بعدم الحروب، وبإقرار هذه المسألة، فأعجب رأيه السلطان وجعله صدرا أعظم.
ولما رأت فرنسا ما حل بالدولة العثمانية من النصف أرادت أن تستغل ضعفها بالاستيلاء على تونس، فلم يصعب عليها أن توجد لذلك سببا، وشنت الغارة على توس، وأجبرت باي تونس محمد الصادق على إمضاء معاهدة تضمن لتونس استقلالا الداخلي تحت حماية فرنسا، وكان ذلك سنة 1879 واحتجت الدولة على ذلك ولكنها لم تقدر على محاربة فرنسا من أجل تونس، وزعمت فرنسا بأنه جاء وقت على تونس لم يكن فيه للباب العالي عليها إلا بسيادة إسمية، وثار بعض الأهالي والجند التونسي بقيادة بن علي خليفة ولكن لعدم تكافؤ القوتين انتهت الثورة بتغلب الفرنسيس كما حصل في الجزائر من قبل ولو لم تحتل فرنسا بلدة الجزائر لم تكن لتستولى على المغرب الأوسط كله العملات الثلاث؛ الجزائر، ووهران، وقسنطين، ثم إنه بقيت فرنسا خمسين سنة تقاتل أهل الجزائر حتى أدخلتهم في الطاعة. فلما انتهت منهم بدأت تفكر في الاستيلاء على تونس، ولما انهت من خطب تونس بدأت تفكر في الاستيلاء على المغرب الأقصى، ولما رأت إيطاليا أن فرنسا استأثرت بهذه الممالك الثلاث من دونها اعترضت على فرنسا من جهة، واعترضت على النكترا من جهة أخرى وقالت لهما: إنكما تقاسمتما قارة أفريقيا، فمصر والسودان لإنجلترا، وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وأواسط أفريقيا لفرنسا، ولم تدعا لإيطاليا شيئا. فانفقت هذه الدول الثالث على أن تكون لإيطاليا ولاية طرابلس مع برقة، ومن هنا جاءت حرب طرابلس، وهكذا الاستعمار سلسلة أخذ بعضها برقاب بعض . ومن تساهل في أمر ملكه في البداية خوفا من شر أعظم فإنه لا يلبث أن يقع في أعظم من الشر الذي تفاداه. وكذلك احتلال الإنجليز لمصر كان نتيجة وقوع تركيا في الضعف الذي كانت الروسيا هي السبب فيه.
وإذا نظرنا إلى حروب الروسيا نجد أنها كانت تقدم رجالها وأموالها، وتنفق النفائس والأنفس في سبيل غيرها، فاستقلال اليونان، والجبل الأسود، والسرب والبلغار، والرومانيين واحتلال النمسا للبوسنة والهرسك، واستيلاء فرنسا على تونس واحتلال الإنجليز لوادي النيل والسودان، واحتلال بريطانيا للاريتري ثم لطرابلس وبسط إنجلترا حمايتها على لحج وحضرموت، وظفار، وسلطنة عمان، وجزيرة البحرين، ومدينة الكويت، ونزولها في جزيرة قبرص، كل ذلك كان من نتائج الضعف الذي أوقعته الروسيا بتركيا، فالروسيا كانت تطبخ والآخرين كانوا يأكلون.