تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان ذلك سنة 1294 هجرية. وكانت في أواخر مدة السلطان عبد العزيز قد نجمت قرون الثورة في البلقان، وكانت بدايتها في الهرسك، وكان على رأسها «قرة جيبورجيوفتش» من ذرية قرة جورج الذي تقدم الكلام عليه وهو جد ملك يوغوسلافيا الحالي. ثم امتدت الثورة إلى بلاد السرب فأرسلت الدولة جيشا للتنكيل بالعصاة، فاتسمت الثورة وكان مراد السربيين أن يستقلوا استقلالا تاما ولا يؤدوا جزية السلطان.

فساقت الدولة جيشا بقيادة عثمان باشا الذي صار فيها بعد يلقب بالغازي، فهزم السربيين ودوخت الدولة جميع ثوار البلقان من بلغار وسرب، وهرسك. وكانت الروسيا تظاهر الثائرين كما لا يخفي، فلما سحقتهم العساكر العثمانية أعلنت الروسيا الحرب على الدولة العثمانية. وهذه الحادثة تشبه كثيرا إعلان الروسيا الحرب على النمسا عندما ساقت النمسا جيشها على السرب في أول الحرب العامة، أي أن الروسيا كانت دائما ترى نفسها مرجعا للأمم السلاقية، ولاسيما الأمم السلافية الأرثوذكسية، فأما السلافيون الكاثوليكيون فلم يكونوا يرجعون إليها. فكانت بداية سلطنة عبد الحميد الثاني هي بالحرب مع الروسيا، ونظرا لكون تاريخ هذه الحرب معلوما وعليه تأليف كبير بالفرنسية “La Puerre Russo Lurque”

فإننا لا نجد لزوما للتطويل في شأنها، ولا للإسهاب في تاريخ سلطنة عبد الحميد، لأن حوادث أيامه معروفة مشهورة وقد كتب عنها بكل اللغات. فالحرب الروسية التركية جاءت وبالا على الدولة إذ أن الروسية في القرن الأخير قد نمت نموا زائدا قصار عدد سكانها يفوق عدد سكان السلطنة العثمانية أربع مرات بالأقل، وكانت البلاد البلقانية من سرب وبلغار وفلاخيين وأروام يدا واحدة مع الروسيا، ولم تكن هذه الأسباب وحدها كافية للفشل الذي حل بالجيش العثماني، بل حصل خطأ كثير في التدبير العسكري، وكانت لوازم الجيش ناقصة كما هو شأن الدولة في حروبها في العهد الأخير، وتدخل السلطان كثيرا في أمور الحرب بدون معرفة. وخلاصة القول أن الروس عبروا نهر الطونة وتقدموا ظافرين وصار الجيش العثماني بقيادة السردار عبد الكريم باشا يرجع إلى الوراء وكادت الحرب تنتهي بفشل تام للعثمانيين، وإذا بعثمان باشا قاهر السرب جاء ودخل في قلعة بلافنة واعتصم بها، فجمع الروس جيوشهم وصمدوا إليه فكسرهم كسرة شنيعة فأعادوا الكرة عليه أولا وثانيا وفي كل مرة كان يهزمهم، وفي إحدى المرار فقدوا خمسة عشر ألف عسكري، ورجعت الحرب تبشر بحسن مآل العثمانيين، ولكن عثمان باشا لم يبق عنده وهو محصور من كل الجهات ذخائر تساعده على الثبات، وجاء قيصر الروسيا إسكندر الثاني بنفسه واستصرخ إمارة رومانيا - أي الفلاخ - ومولدافيا وذلك باسم النصرانية قائلا: إنها كلمة تحت الخطر، فأنجده الرومانيون بسبعين ألف عسكري انضافت هذه إلى الجيش الروسي المحاصر لعثمان باشا في بلافته. ومع هذا فلولا نفاد الذخيرة لم تكن تلك الجيوش كلها لتتغلب على عثمان باشا، وفي آخر وقعة أراد عثمان باشا أن يخرق جيوش الروس برغم كثافتها وينفذ إلى الخارج، فوقع جريحا فاضطر إلى النكوص نحو بلافنه. وعرض على إمبراطوا الروسيا الاستسلام، ولما دخل عليه وأراد أن يسلمه سيفه كما هي عادة كل المستسلمين قال له الإمبراطور: إن قائدا مثلك يحق له أن يبقى سيفه معه، وبالغ القيصر في إكرمه.

وبعد تسليم بلافنه زخفت جيوش الروس إلى الأستانة واحتلت أدرنة، ووصلت إلى سان استفانوا؛ وكان العثمانيون قد أعدوا جيشا للدفاع عن الأستانة إلا أنهم كانوا يخشون أن تدور عليهم الدائرة بكثرة جيوش الروس، فأما من جهة القوقاس فكان القائد الكبير أحمد مختار باشا الغازي قد انتصر على الروس في وقعة «كدكلر» وتقدم إلى الأمام، ولكن الروس عادوا فتغبلوا عليه بتفوقهم في العدد، وكان درويش باشا قائد الجيش العثماني المرابط في باطوم تحت الحصار، فهاجمه الروس مرارا فدحر جميع مهاجماتهم، وانتهت الحرب وباطوم في يده، هذا وعند ما وصل الغراندوق تقولا إلى سان استفا وطلب السلطان عبد الحميد الصلح، فاشترطت الروسيا شروطا ثقيلة جدا التزمت الدولة العثمانية أن تقبلها خوفا على الأستانة من السقوط، إلا أن الإنجليز وجدوا الصلح على هذه الشروط عبارة عن استيلاء الروسيا القريب على سلطنة آل عثمان ووصولهم إلى البحر المتوسط، فاعترضوا الروسيا ودخل أسطولهم إلى الأستانة وأجبروا الروس على تمزيق المعاهدة، وفاوضوا الدول السبع في عقد معاهدة ثانية بدلا عن معاهدة «سان استفانو». فتقرر عقد مؤتمر برلين المشهور، واتفقت الدول هناك على أن تكون إمارة رومانيا مملكة مستقلة تماما عن السلطنة العثمانية، وأن تستقل تماما أيضا إمارة السرب ويسمى أميرها «ميلان أونوفتش» ملكا عليها، وأن يستقل الجبل الأسود ويعطي قسما من بلاد الأرناؤوط، وأن تضاف تساليا وأبيروس إلى اليونان، وأن تكون بلاد البلغار إمارة تحت سيادة السلطان ويليها ولاية ممتازة.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٥٥