تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي 13 يوليو سنة 1858 هجم بعض أهالي جدة بالحجاز على قنصل فرنسا ومعاون قنصل إنجلترا فقتلوهما، فجاء أسطول إنجليزي فرنسي فضرب البلدة بالقنابر وفي سنة 1860 جرت الوقائع التي سبقت الإشارة إليها بين الدروز والنصارى في جبل لبنان، وكانت الدولة سكنت الأمور، واستدعت زعماء الفريقين إلى بيروت ووقع الصلح بينهما، إلا أن بعض الجهلاء في دمشق طمعا بالنهب والسلب استفادوا من غفلة الحكومة فانقضوا على حارة النصارى وفجروا الدماء الغزيرة، وارتكبوا الموبقات الكبيرة ظلما وعدوانا، فكانت هذه الحادثة المشئومة سببا في احتلال جيش افرنسي لبيروت ولبنان تحت قيادة الجنرال «بوفور دوبول

Beaufort D’haipoul » فأرسلت الدولة فؤاد باشا المشهور إلى سوريا، فأخذ فؤاد باشا يضمد جروح المسيحيين ووزع عليهم تعويضات بالملايين، وبحسن سياسته سكن الأمور وقتل عددا من الجناة في حادثة دمشق يبلغ 130، ونفى كثيرا من العلماء والأعيان وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله الحلبي مفي الشام، وقد كان نفيهم لأجل السياسة لأنهم كانوا بالحقيقة أبرياء من كل ما وقع على المسيحيين.

وما رجع فؤاد باشا من سوريا إلى الأستانة إلا بعد أن استرجعت فرنسا عساكرها، وكانت يومئذ إنجلترا والنمسا مساعدتين لتركيا. وفي 25 يوليو سنة 1861 توفي السلطان عبد المجيد، وكان سلطانا كريم الأخلاق عادلا حليما متواضعا، وكانت الرعية العثمانية من جميع الطبقات تحبه وتحترمه، ولذلك أسف عليه الجميع.

السلطان عبد العزيز

وتولى مكانة السلطان عبد العزيز. وفي زمانه لم تحصل حوادث تذكر سوى ثورة كريت التي قمعتها الدولة بالقوة، والسلطان عبد العزيز هو أول سلطان زار أوروبا عندما دعاه نابليون الثالث سنة 1867 إلى معرض باريز مع سائر الملوك، وفي زمانه أيضا جرى خرق بوغار السويس بواسطة شركة أفرنسية يرأسها المسيو «داليبس» وذهب السلطان عبد العزيز بنفسه إلى مصر، وكان السلطان عبد العزيز سليم الطوية جسورا إلا أنه كان مسرفا ترك على الدولة ديونا كثيرة. على أن من أهم مآثره اعتناؤه بالأسطول، ففي زمانه كان للدولة قوة بحرية عظيمة، وكانت هي الدولة الثالثة في البحر، وقد كان في أيامه من رجال الدولة «مدحت باشا» وكان مولعا بالحرية، فنما بواسطته حزب الأحرار، وصاروا يتحدثون بخلع السلطان لكثرة إسرافه واستمالوا إليهم السر عسكر «حسين عوفي باشا» ودبروا على السلطان مكيدة فاتفقوا مع ناظر البحرية وأتوا بالأسطول فرنسا أمام سراي طولمة يفجه، بينما العساكر كانت تحيط بالسراى من جهة البر، ثم أدخلو على السلطان من أبلغه أن الأمة خلعته. فأراد السلطان أن يستخف بهذا الموضوع فأطلعوه على العساكر المحيطة بالقصر من جهتي البر والبحر، وأنزلوه من السراي ووضعوه في قصر آخر.

السلطان مراد

وبايعوا السلطان مراد كبير أولاد السلطان عبد المجيد، وما مضى عدة أيام على خلع السلطان عبد العزيز حتى وجد في قصره قتيلا، فذهب الناس إلى أنه قتل بأيدي هؤلاء الذين خلعوه. وليس ذلك بصحيح؛ بل كان الخلع فجأة قد آثر جدا في عقل السلطان، فتناول مقراضا وقطع به عروق زنده فسال دمه إلى أن مات.

وكان ضابط اسمه «حسن الشركسي» شقيقا لإحدى نساء السلطان، فجاء إلى الباب العالي ودخل على مجلس الوزراء فاغتال السر عسكر حسين عوني باشا وناظر البحرية أحمد باشا القيصرلي، وراشد باشا ناظر الخارجية وكان مراده قتل مدحت باشا ولكن هذا فر ونجا بأعجوبة، فجاء الجند ولم يتمكنوا من القبض على حسن الشركسي إلا بقتله. وأما السلطان مراد فما مضت عليه إلا ثلاثة أشهر في السلطنة حتى حصل له اختلاط في عقله، فاتفق رجال الدولة على إقصائه عن السلطنة وتصب أخيه السلطان عبد الحميد مكانه.

السلطان عبد الحميد الثاني

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٥٤