تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجاب بعضهم نداءه وأمتنع البعض الآخر فأما ا لذين التفوا حوله فسكان الجبال من اليونان الغربية ومن تساليا وكان في مقدمتهم اساقفتهم وأما الذين رفضوا الانضمام إليه فالكثوليك من الأرناؤوط لأنه لم يكن لهم ثقة به غير أنه بسبب سوء إدارة إسماعيل باشو أنضم أكثر المسيحيين إلى علي باشا، وبدأت الحرب فأنكسر علي باشا في البداية وذلك في تساليا وأنحاز اثنان من قواده ع مر فريون وطاهر عباس في خمسة عشر الفا من الجنود إلى العسكر السلطاني وخان عليا أولاده الثلاثة وسلموا القلاع التي في ايديهم إلى الدولة ولما بلغه خيانة أولاده له نادى أنهم ليس لهم حق أن يرثوه وقال أنه لا يعرف له أولاد غير الذين هم أنصاره ولم يبق مع على باشا سوى ثمانية آلاف مقاتل كانوا من نخبة جنوده وبينهم رجال مدفعية ماهرون فوقف بهذه القوة أمام عشرين ألف مقاتل من عسكر الدولة كانوا أحاطوا بمدينة يانيا وشرع علي باشا يراسل المسيحيين الذين مع جيش الدولة وفتح خزائنه لهم وبث الدعاة إلى الثورة في جميع بلاد اليونان وكذلك في بلاد رومانيا ثم لجأ إلى حيلة أخرى لأجل استجلاب النصارى إلى صفة وهو أنه زور كتابات زعم أنه ورد إليه من خالد أفندي أحد مقربي السلطان يقول له فيه إنه في الربيع القادم يجب القيام بقتل عام يستأصل فيه جميع المسيحيين القادرين على حمل السلام وتسبي نساؤهم ويؤخد أولادهم المراهقون لينشأوا في الديانة الإسلامية فصدق النصارى هذا المكتوب المزور، وثاروا بأجمعهم وفي مقدمتهم أهالي جمهورية شولي وأنحازوا إلى علي باشا ومعهم كثير من الأرناؤوط المسلمين فتزعزعت مراكز الأتراك ونسبت الدولة عدم النجاح إلى سوء تدبير إسماعيل باشو فعزلته وعهدت بالقيادة غلى خورشيد باشا وذلك سنة 1821 فسار خورشيد باشا بعشرة آلاف من بلاد اليونان قاصدا يانيا فلما وصل إلى لاريا بلغة أن أهالي مدينة باتراس رفعوا لواء العصيان فأمر بنزع السلاح من أيديهم وتغريم المسيحيين جميعا فبدأت من ذلك الوقت ثورة اليونان وكان أهالي الجزر اليونانية لم يفقدوا قوة المقاومة في وجه الأتراك وكذلك أهالي الجبال الغربية من بلاد اليونان فأنهم كانوا حفظوا نوعا من الاستقلال الدالخي وكان لهم جند وطني يقال له «الارماتوليس «ومعنى هذه اللفظة الرجل الشاكي السلاح وكان الارماتوليس الذين في الجبال لا سخضعون للدولة إلا قليلا فأرادات الدولة أن تخضد شوكتهم وشكلت بأرائهم قوة مسلحة من الأرناؤوط المسلمين بقيادة الأتراك يقال لها «درفند باشا «فتنبه الأروام إلى أن مراد الدولة هو استئصال قوتهم والقضاء على الارماتوليس فلما عصى علي باشا وساقت الدولة عليه الجيش حاول علي باشا أن يستجلب إلى ناحيته هؤلاء الارماتيوليس الذين كان هو من قبل آفه عليهم.

وكانت بلاد اليونان قد استعدت للثورة وذلك لأن الأروام أهل حركة ونشاط وهم أقوم على التجارة والملاحة من كل قوم وكانت ثروتهم قد ازدادت كثيرة عن ذي قبل بانصرافهم إلى التجار وكانوا يجوبون البحار كلها، وفي كل مكان من أوروبا تجار من الأروام فلا يكاد يخلو منهم مكان وكانوا هم الواسطة بين الشرق والغرب وكانت الدولة العثمانية نفسها تحتاج إليهم وتستخدم منهم في سفنها وبأحتكاك الأروام الدائم مع الأوروبيين وحروب الأوروبيين مع الدولة العثمانية إزداد نزوع الأروام إللاى الاستقلال وانقسموا إلى قسمين منهم ممن يريد الاستقلال العاجل بقوة السلاح وآخرون يرون المصلحىة في عدم مقاومة الدولة العثمانية بالسيف. بل بتهذيب الأمة اليونانية وترقيتها حتى تنال تدريجيا حقوقها ويأتي وقت تتحرر من حكم الترك تماما.

وفي سنة 1813 عندما تألبت جميع دول أوروبا على نابوليون ظن الأروام أن دول الاتحاد المقدس ستمد إليهم يد السماعدة ولكن دول الاتحاد المقدس كانت تكره تحرير الشعوب لمخالفته لمباديها فخاب أمل اليونان فيها ثم إن علي باشا التبليني كان قد ضرب التجارة اليونانية من تجار رأوا كساد تجارتهم وضباط تدربوا في الجيوش الأوروبية وناشئه تعلموا في مدارس أوروبا أنه لا خلاص لبلاد اليونان إلا بالثورة العامة، وكما يحصل في جميع الأمم المقهورة تألفت الجمعيات السرية ودخل فيها الوف من الأروام وتألفت شعب لهذه الجمعيات السرية في أوروبا وفي نفس القسطنطينية ويقال إنه كان في القسطنطينية عاصمة تركيا 17 ألف شخص تابعون للجمعية المركزية وكانوا مطلعين على كل شيء وكانت لهم في بلاد رومانيا وبسارابيا جمعيات تعمل بالاتحاد مع الأروام فتنبهت تركيا لهم وبطشت بكثير منهم وكان اهالي باتراس في بلاد اليونان قد ثاروا بالسلاح على الحامية التركية وانتظروا أن تأتيهم نجدىة من الروس وكان الثوار نحوا من عشرة آلاف فساقت الدولة جيشا مزق شملهم فاعتصموا بالجبال وامتدت حركة العصيان في الجزر اليونانية وبلغت الحماسة من الأروام أن أمرأة أسمها بوبولينة جهرة بما لها ثلاث بوارج حربية وتولت قيادتها ووجد من أغنياء اليونان عدد كبير نزلوا عن كل ثروتهم لأجل ثورتهم وكان أحد القضاء من الأتراك أتيا مع حرمه في سفينة من مصر إلى الأستانة فظفر اليونان بالسفينة وأهانوا القاضي وضربوه ويقال إنهم اعتدوا على عفة زوجته ثم تركوا السفينة تمضي إلى الأستانة فلما وصلت شاع خبر هذا الاعتداء في العاصمة وكانت صدور الأتراك قد أمتلأت وغرا من أخبار الثورة اليونانية فهاج الشعب التركي وهجموا على دار البطريركية وذبحوا البطريرك غريغوريس مع ثلاثة من الأساقفة وقتلوا الوفا من الأروام وأحتج سفراء الدول الأوروبية على هذه المجزرة فأجاتبهم الدولة بأن دول أوروبا كلها تقتص من جميع الذين يكبدون عليها بلا استثناء فأي حق لها في الاعتراض على الذين يأتمرون بسلامة الدولة العثمانية؟ وفتك الأتراك بالأروام في مقدونيا وتراقيا والأناضول وقيل إنه هلك ثلاثون الف رومي منهم ثمانون أسقفا.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٤٥