وفي ذلك الوقت أعلنت فرنسا الحرب على الروسيا فاضطر قيصر الروسيا إلى طلب الصلح من الباب العليا فانعقد الصلح في 28 مايو سنة 1812 وصار نهر البروت هو الحد الفاصل بين المملكتين ولم يبقى في أيدي الروس سوى أفواه الدانوب، وقسم من بسارابيه، وندم السلطان على عقد هذه المعاهدة لأنه الناس نبهوه فيما بعد إلى أن إلى أن الروسيا لم يكن لها مناص من قبول جميع شروطه وأن وزراءه اضاعوا الفرصة فعزلم وتسمى هذه المعاهدة بمعاهدة «بخارست».
ولما تولى محمود الثاني كانت السلطنة في الداخل ممزقة تمزيقا فكان آل شعبان أوغلو حاكمين في شمالي الأناضول وكان آل قره عثمان أوغلو متغلبين على البلاد المجاورة لأزمير وكان في سرس من مقدونية وفي قلبه من تراقية أمراء اصحاب جيوش وقوة ومنعه لا يخضعون تمام الخضوع للحكومة وكانت بلاد العرب في أيدي الوهابين وكانت مصر في يد محمد علي وكانت بلاد السرب ثائرة وكان علي باشا وإلى يانيا مستأثرا ببلاد تساليا وأبيرس وكان «مولا اغا» غالبا عل ودين فأخذ السلطان محمود يعالج امراض السلطنة فرمى الوهابين بمحمد علي والى مصر فساق عليهم جيشا بقيادة ولده طوسون باشا فتغلب الوهابيون على هذا الجيش في الحجاز ولكن توالت النجدات من محمد علي فهزم الوهابين.
ثم صارت الحرب سجالا بين الفريقين ثم أرسل محمد علي وله إبراهيم باشا فبعد حروب شديدة حصر الوهابين في الدرعية وأستولى عليها عنوة وأخذ الأمير السعودي اسيرا وأرسله إلى ابيه ومعه ولده فمحمد على أرسلهما إلى استنابول وقال لهما انني أوصيت الدولة بكما ليحسنوا معاملتكما فقال له ابن سعود يكون ما أراد الله ولكن لما وصل الأمير وابنه إلى الأستانة شنقهما الدولة وكان محمد علي قد ذبح المماليك واستأصلهم جميعا في القطر المصري، وبعد أن استراح فكرة منهم وجه همته إلى إصلاح مصر وقام بأعمال مدهشة بحيث يمكن أن يقال إنه من أعظم مصلحي الشربق بل مصلحي العالم لانه بعث مصر من قبرها وانقذها من عبث المماليك وأنشأ لها جيشا عظيما على طرز الجيوش الأوروبية واعتمد في تدريبه على ضباط من الفرنسيس وأنشأ أسطولا عظيما ودار صنعه بحرية ومعامل للسلاح وبنى مدارس وأرسل طلبه يحصلون العلم في أوروبا وأختقر ترعة بين الإسكندرية والقاهرة وفتح محمد علي السودان وكان في الحقيقن ملكا مستقلا لولا الخراج السنوي الذي كان يدفعه للدولة.
وفي ذلك الوقت ثار الصرب على الدولة لسببين أحدهما نزوعه الطبيعي إلى استرداد ملكهم والثاني سوء الادارة وظلم العمال لهم فلما انتقضوا أراد الوالي أن يسكن الأمور باللطف وحسن السياسة فجاء الانكشارية وذبحوا الوالي، وقتلوا من السربيين عددا كبيرا وكان المجر والنمسويون يساعدون السربيين وامتاز بين السريين رجل اسمه «جورج» لقبه الأتراك «بقره جورج» أي الأسود وكان صارما جدا فأعصوصب حوله جماعة من السربيين وأرادوا عبور نهر الساف الثورة فراود ابنه على الرجوع فأبى فتنازعا وأنتهى الأمر بأن الولد قتل الوالد وأمتدت الثورة واستولى قره جورج على شاباتس و«سمندرية» فأرسلت الدولة جيشا للتنكل بهم وعززته بجيش ثان ولكنهم لم يقدروا على قمع الثورة، وكان القائد إبراهيم باشا تراضي مع السربيين على إعطائهم الاستقلال الداخلي تحت سيادة السلطان وأن تقيم الحاميات العثمانية في المدن فأبى الباب العالي تصديق هذا الصلح فأستؤنف القتال بشدة وحصر السربيون بلغراد وكان فيها سليمان باشا فلما أوشك أن يسقط اتفق معهم على الخروج بجيشه وتسليم البلدة ولكن لما خرج نكث السربيون بالعهد وقتلوه مع جميع العساكر التي معه ثم أرسلت الدولة جيوشا للانتقام من السربيين فكانت الحرب سجالا وازدادت شهرة قره جورج بين السربيين واسبتد بالأمور فوقعة المنافسة بينه وبين كثير من أقرانه واستفادت الدولة من هذا الخلاف فساقت العساكر واسترجعت بلغراد وبددت شمل السربيين.