تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما تولى السلطان محمود الثاني ولي البيرقدار مقام الصدارة العظمى فبدأ هذه بقتل جميع أعوان السلطان مصطفى وزعماء عسكر اليمك وانفرد البيرقدار بالأمر والنهي وعقد مجمعا من جميع الاعيان والوزوراء، وأوضح لهم وجوب إصلاح أوجاق الانكشارية وتأسيس جيش يشارع الجيوش الأوروبية في تعليمه ومعداته وقال الصدر الأعظم إنه هو من جملة الانكشارية وهو يفتخر بكونه ممن هذا النظام ولكنه يرى أن هذا النظام قد فسد وأنه كان نظاما لا يغلب لو لم ينحرف عن جادىة تعاليم الحاج بيكتاش ولكن هذا الجيش بعد أن كان مدة قرون هو عماد السلطنة وكان العالم يرتجف خوفا منه آل من الفساد إلى أن فقد كل مزاياه القديمة ونسى جميع القوانين التي كان فرض عليه العمل بها السلطان سليمان القانوني وصار الترقي فيه بالرشوة وصارت الرتب تحت المزاد وعم الجهل بالفنون العسكرية فأنحطت منزلة هذا الجيش انحطاطا عظيما ولذلك فقد أمرني السلطان بأن استأصل جميع هذه المفاسد من أوجاق الانكشارية وأن أجبر جميع الانكشارية غير المزوجين على السكن في الثكن العسكرية وأن لا أدفع رواتب إلا للانكشارية المقيمين في الثكن وأن أمنع بيع الجرايات والرواتب وأن أوجب على جميع الانكشارية التقيد بتعاليم السلطان سليمان واتباع الطرق العصرية الأوروبية التي أفنى العلماء بوجوب اتباعها كما أن مولاي السلطان عازم على تأسيس جيش جديد من شبان المسلمين ومن أنفس الانكشارية يتلقى الطرق العصرية الأوروبية التي يمكنه أن يقاتل بها الكفار بنجاح هذا مع المحافظة على نظام الطاعة والاتحاد الذي كان عند الانكشارية القدماء.

فوافق جميع الوزراء وأعيان السلطنة على هذا القرار وأفتى شيخ الإسلام بوجوبه وظن الناس أن كل شيء قد أنتهى.

إلا أن فوز البيرقدار كان عظيما إلى حد أن غص به النظراء وصاروا يتربصون به الدوائر وكان قد أغضب العلماء باحتقاره إياهم وبعزمه على التصرف بأوقاف المساجد وارتكبت البيرقدار خطيئة تبديد الجيش الذي دخل به الأستانة فأنه كان أرسل منه أثني عشر الفا إلى مدينة فيلبه لقتال مولا اغا الثائر ها فلم يبق عنده إلا سبعة آلاف لم يكونوا بقوة كافية ليمنعوه من أعدائه فزحف الانكشارية إلى القصر لينقذوا السلطان مصطفى الرابع ويردوه إلى السلطنة فقابلهم الببيرقدار بشرذمة من العسكر الجديد لفلم يقدر عليهم لتفوقهم في العدد فقتل السلطان مصطفى ورمى إليه بجثته فازداد واحنقا وأحرقوا جانبا من القصر ودخلو وأوشكوا أن يقبضوا عليه وعلى أوانه فلجأ إلى مخزن البارود ووضع فيه النار فهلك هو وأعوانه تحت أنقاض مخزن البارود ولم يشأ أن يستسلم إلى أعدائه.

وأنتصر للعلمدار رامز باشا ناظر البحرية ورمى الانكشارية بالقنابر وأسرع قاضي باشا بثلاثة آلاف من الجند للمحافظة على شخص السلطان وأخذ الانشكارية يتراجعون وأراد رامز باشا أن يعلن العفو إلا أن قاضي باشا خالفه في هذا الأمر وأصر على الانتقام فلما رأى الانكشارية أنهم قد أحبط بهم حل بهم اليأس فوضعوا النار بالبلدة وهي كما لا يخفى مبنية بالخشب، فكادت النار تلتهم جميع الأستانة لتشاغل الناس بالفتنة عن إطفاء الحريق.

ثم إن رامز باشا وقاضي باشا وأعوانهما عندما علموا أن البيرقدار قد هلك في مخزن البارود سقط في أيديهم وفروا إلى رسجق وأرادوا هناك المقاومة فلم يتمكنوا فألتجأ رامز باشا إلى بطرسبرج لأنه أصله من القريم وفر قاضي باشا وبهيج أفندي من أعوانه إلى بلاد القرامان فوقعا في أيدي أعدائهما وقتلا وقد زعزعت هذه الثورة أركان السلطنة فاضطرت الدولة إلى عقد ا لصلح مع الإنجليز فانعدق في 9 يناير سنة 1809 أما مع الروسيا فلم يمكن عقد الصلح، وزحف الروس وأخذوا برايلا على الدانوب وكسروا العثمانيين أمام «سيليسترية» ولكن لم يقدروا على القلعة ودارت السنة الثانية والصدر الأعظم معتصم بقلعة «شمله» لكنه لا يقدر أن يحمي البلاد فأستولى الروس على «سيليستريه» و«رسجق» و«بيقوبوليس» وبزارجق فجعلت الدولة أحمد باشا صدرا أعظم فزحف بستين الف مقاتل على الروس وأجبرهم على إخلاء رسجق.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٤٢