وفي ذلك الوقت عادت الثورة إلى الأستانة، وكان الصدر الأعظم غائبا مع أعوانه الوزراء في سد الفتوق البعيدة فتولى الأمر قائمقام الصدارة فخان السلطان وأفسد بين الجند فهاجموا القصر وطلبوا من السلطان أن يسلمهم سبعة عشرة شخصة من رجاله ليقتلوهم وكان السلطان توقف عن مقابلة الانكشارية بالعسكر الجديد تحرجا من سفك الدماء بين عساكره ولكنه لم يشأ أن يوافق على تسليم رجاله للقتل وفي مقدمتهم البستانجي باشي الذي عندما رأى أستفحال الثورة وإحاطة الانكشارية والجيش المسمى يمك بالقصر أراد أن يستسلم إليه ليقتلوه ويخلص مولاه السلطان من هذا المأزق وأخذ السيف يعمل في جميع أنصار الإصلاحات الجديدة ثم إزداد الجند حتى طلبوا خلع السلطان سليم نفسه فاستفتوا شيخ الإسلام قائلين له: إذا كان السلطان مخالفا لأحكام القرآن فهل يجوز بقاؤه على عرش السلطنة ؟ فأجاب شيخ الإسلام كلا والله أعلم بما يجب وكان رئيس الثورة رجلا يقال له قاباقتجي أوغلو فاستند على هذه الفتوى وخلعوا سليم الثالث.
السلطان مصطفى الرابع
وبايعوا مصطفى الرابع بن عبد الحميد الأول ودخل شيخ الإسلام فأبلغ السلطان سليم فتوى الخلع وإرادة الشعب فتلقى السلطان سليم هذا الأمر بالصبر الجميل واعتزل جانبا وأخذ يقضي أوقاته في تعليم محمود ابن عمه الذي تولى السلطنة فيما بعد باسم محمود الثاني، ولما وصل الخبر إلى الانكشارية على نهر طونه زاطوا فرحا وثاروا على الصدر الأعظم وجعلوا مكانه شلبي مصطفى باشا.
وصار الحكم في إسطنبول لشيخ الإسلام وقائماقام الصدارة ولكن لم يطل الامر حتى وقع الخلف بينهما واستفاد قاباقتجي أوغلو من ذلك فانحاز إلى شيخ الإسلام واسقطا الصدر الأعظم فقام مقامه طيار باشا فاختلفا معه أيضا فاسقطاه فألتجأ إلى مصطفى باشا البيرقدار وإلى رسجق وكان البيرقدار من حزب السلطان سليم، فقرر أن يزحف إلى الأستانة ويخلصها من هذه الفوضى ويرد سليمان إلى السلطنة فأرسل من قبلخ سعاه إلى الصدر الأعظم وكان الصدر مصطفى شلبين - فأكد له أن كل مراد تخليص الأستانة من شيخ الإسلام وقاباقتجي أوغلي فوافق الصدر على ذلك ومالأهم اليسد علي ناظر البحرية وحف البيرقدار بستة عشرة الف عسكري على الأستانة فلما علم السلطان مصطفى الرابع بهذه الحركة صدر أمره بعزل شيخ الإسلام وأعوانه وحل نظام عسكر اليمك وكان مصطفى اليرقدار على باب الأستانة فأظهر رضاء وظن السلطان مصطفى أن الفتنة قد أنقضت وذهب إلى كوشك كوك صوتنيز ولكن البيرقدار كان ناويا أن لا يرجع حتى يرد السلطان سليما إلى السلطنة فهاجم القصر واتفق الانكشارية معه وبلغ السلطان مصطفى ذلك فرجع إلى القصر وأرسل إلى البيرقدار يقول له ليتمهل فأنه لا يلبيث أن يخرج أإليه السلطان سليم، وفي الوقت نفسه أمر مصطفى الرابع جماعة من رجاله بقتل سليم الثالث وكان السلطان سليم قوى النية موفق العضلات، فصرع جملة ممن هاجموه قبل أن سقط قتيلا ولما قيل للسلطاتن مصطفى أنه قد قضي عليه جاء ونظر إليه وقال قولوا لباشا روسجق ليأخذ الآن السلطان سليم الذي يريده، وكان البيرقدار ويقال له أيضا العلمدار قد دخل القصر ع نوه فرآ السلطان سليم مدرجا بدمائه فصاح وي أفندق وأخذ يلطم نفسه ويبكى فقال له سيد علي نظار البحرية: ليس لباشا روسجق مصطفى السلمدار أن يبكي بكاء النساء فلندق البكاء ولنقتص من قتلة السلطان السليم ولنخلص السلطان محمود الذي يجوز أن يقتل أيضا فرجع البيرقدار إلى رشده وخلع السلطان مصطفى وحبسه.
السلطان محمود الثاني
وبايع أخاه محمودا بالسلطنة وذلك في 28 يوليو سنة 1808
وفي سنة 1917 طفت أنا محرر هذه السطور مع بعض زملائي نواب الامة العثمانية في قصر طوب قبو مقر السلاطين العظام قبل أن صاروا يسكنون في قصر طولمة بفجة وكشك يلدز وكان يدلنا على آثاره التاريخية وأقسامه الكثيرة المدهشة، المؤرخ أحمد رفيق بك ولما وصلنا إلى الغرفة التي قتل فيها السلطان سليم الثاثل رحمه الله دلنا على المكان الذي سقط فيه صريعا، وهو لا يزال معروفا إلى الآن، وبهذه المناسبة روى لنا حادثة مصطفى العلمدار هذه بتفاصيلها وقال: إن الذين قتلوا السلطان سليمان أرادوا قتل السلطان محمود أيضا بحيث لا يبقى غير السلطان مصطفى فيضطر العلمدار إلى قبول سلطنته فإنه كان لم يبق إلا سليم ومصطفى ومحمود فجماعة مصطفى بعد قتل سليم جاسوا خلال القصر ليجدوا محمود ليقتلوه فكان الجوري أخذن محمود وخبأته في مدخنه لم تخطر على بال القتلة فبقى مختبئا في هذه المدخنة إلى أن قبض مصطفى باشا البيرقدار على السلطان مصطفى فأخرجوا محمودا من المدخنة وبايعون سلطانا ولو لم يوجد محمود لكانوا مضطرين أن يبقوا طائعين للسلطان مصطفى قال لنا رفيق بك إنه أدرك جارية عاشت طويلا وماتت في زمان السلطان عبد المجيد بن السلطان محمود وكانت تقص له كيفية قتل السلطان سليم الثالث لأنها شهدت ذلك عيانا.