ومعاهدة كارلوفيتس هذه كانت إلى ذلك العهد أعظم ضربة على السلطنة العثمانية، فتراجع الأتراك عن بولونيا والمجر إلى ما وراء نهر الدنيستر والساف والأنة، وظهر للجميع الضعف الذي كان قد بدأ يعمل عمله في سلطنة آل عثمان.
وكان الخلل عاما جميع فروع الإدارة، وكانت الفتن مشتعلة على حدود إيران وفي القريم وفي أفريقيا وفي بلاد العرب، فقام الكويرلي حسين الذي اقتفى أثر عمه برأب الصدوع وسد الفتوق، وأعفى أهل بوسنة والبانات مما كانوا يؤدونه باسم الجيش، وترك لأهل الرومللي مليونا ونصف مليون من متأخر الضرائب، وأصدر أوامر في جميع السلطنة بأن جميع المأمورين يجب أن يكونوا علماء وأن يحفظوا القرآن وقواعد الدين، وشدد في انتخاب المدرسين ووضع الإدارة وقيادة الجيش تحت رقابة شديدة، وأصلح الأمور المالية، وسن قانونا للبحرية وبنى المساجد والمدارس والأسواق والثكن العسكرية، ورمم أسوار بلغراد وتمشوار ونيش وشحنها بالأقوات، ونظر في أحوال المسيحيين من الرعايا فعاملهم على قدم المساواة مع المسلمين، ولكن هذه الإصلاحات كلها لم تقع بدون مقاومة، فتألب على الصدر الأعظم حزب ممن كانوا يعيشون بالغلول من أموال الدولة وأخذوا يدسون الدسائس حوله وحول أعوانه، إلى أن اضطروه إلى الاستقالة، وكان أصيب بمرض عضال وفي 5 سبتمبر 1702 بعث إلى السلطان بختم الصدارة، ومات بعد ذلك بسبعة عشر يوما وفقدت الدولة به رجلا عظيما ممن أخروا أجل سقوطها نظير سائر آل الكوبرلي.
وقد أحدث موت الكوبرلي هذا فتوقا جديدة في السلطنة، وتولى الصدارة دالتبان باشا وكان مغرما بالحرب يريد نقض المعاهدة التي انعقدت مع النمسا، إلا أنه لم يطل أمره وقتل، قيل بدسائس بعض العلماء، فتولى الصدارة «نامي محمد باشا» فأراد أن يحذو حذو الكوبرلي في الإصلاح فأثار عليه المشايخ جيش الانكشارية، وانتهى الأمر بخلع السلطان مصطفى الثاني، ومبايعة أخيه أحمد الثالث.
السلطان أحمد الثالث
وفي أول الأمر اضطر السلطان الجديد إلى إرضاء الثوار وقتل المفتي فيض الله أفندي بفتوى من خلفه محمد أفندي، وهو حادث لم يسبق له مثيل، غير أن السلطان بعد أن تمكنت أقدامه في السلطنة عاد فأخذ ينكل بزعماء الثورة، فقتل منهم وغرب وعهد بالوزارة إلى صهره المسمى داماد حسن باشا، فسار بالمملكة سيرة حسنة وثارت في أيامه بلاد الكرج فدوخها واعتنى بتأمين قافلة الحج من الشام إلى مكة، وبنى مدارس وأنشأ دار صنعه بحرية.
وفي أيام الثالث كان لويس الرابع عشر قد خاض الحرب المسماة بحرب الوراثة في إسبانيا، فعرض بواسطة سفيره على تركيا أن تدخل في حرب مع النمسا وتسترجع ما فقدته، ولكن حزب السلام كان في تركيا غالبا فرفض السلطان طلب ملك فرنسا، وكانت الروسيا قد نجمت قرونها إذ ذاك، فانتهزت فرصة اشتغال الدول الغربية بالحرب وخلا لها الجو ورأت تركيا وقد مالت إلى الدعة، فجعلت تتأهب لقتالها، وتركيا كانت لا تحفل بما تفعله الروسيا بقيادة بطرس الأكبر، وكان كارلوس الثاني عشر قد خشي مغبة قوة الروسيا فحمل عليها وطلب معاونة السلطان فوعدوه بإرسال خان القريم لمعاونته، فاعتمد على هذا الوعد وأوغل في أرض الروسيا بستة عشر ألف مقاتل لا غير فأنكسر، والتجأ إلى بندر ضمن الحدود العثمانية، وحاول أن يجر العثمانيين إلى محاربة الروسيا فلم يفلح، وذلك لأن نعمان باشا الكوبرلي الصدر الأعظم كان يكره دخول الدولة في الحرب، وكان هذا الكوبرلي نظير أسلافه في العدل إلا أنه كان ينقصه علو أفكارهم، فسقط أخيرا، وكان أكثر السبب في سقوطه مشرفا له، لأنه عارض السلطان في إسرافه، وأبى أن يجعل معاشات الانكشارية من طرق غير شرعية، فقال له السلطان: إن سلفك شورولي كان يجد طرقا لتأديته رواتب العساكر، فأجابه الكوبرلي: لي الفخر بأن أجهل مثل هذه الطرق. فعزله السلطان وولى مكانه محمد باشا البلطجي الذي أعلن الحرب على الروسيا وتولى بنفسه قيادة الجيوش.