وكان بطرس الأكبر يؤمل أن المسيحيين في السلطنة العثمانية يرفعون لواء الثورة فلم يتحرك منهم أحد، وسار البلطجي بمئتي ألف مقاتل من الترك والتتار وأحاطوا بجيش بطرس الأكبر على ضفاف نهر البروت، وأوشك بطرس وجيشه أن يقعوا في الأسر، وكانت الروسيا لو أسروا ستسقط من عداد الدول، فبادرت كاترينا بدهائها لتلافي الخطب ودخلت في المذاكرة مع الصدر الأعظم وعززت الكلام بهدايا فاخرة قدمتها له، وانعقدت معاهدة فالكسن وذلك سنة 1711، وبموجبها تعهد قيصر الروسيا بإعادة قلعة آزوف ويهدم القلاع التي بناها في تلك البلاد، وبعدم التدخل في أمور القوزاق، فكانت هذه المعاهدة مفيدة لتركيا، إلا أنها كانت أفيد جدا لروسيا، لأنها أنقذت القيصر من الأسر، وثار غضب ملك السويد ووبخ البلطجي على عدم أسره بطرس الأكبر، فأجابه البلطجي جوابا باردا وهو أنه لو أسر بطرس لبقيت بلاد الروس بدون رئيس، فهذا الكرم كان بغير محله، بل كان نوعا من الخبال، وجاء الكونت بونيا ثوفسكي سفير السويد وعرض القضية للسلطان وعضده خان القريم دولة غرائي، فغضب السلطان على البلطجي وعزله ونفاه. على أن خلفه يوسف باشا لم يكن أيضا مغرما بالحرب، فعقد متاركة مع الروسيا إلى مدة 35 سنة، وصدر الأمر لكارلوس الثاني عشر بأن يعود إلى بلاده، وكان كارلوس جبارا عنيدا فأبى أن يمتثل الأمر وبقي معلقا أمله بجر العثمانيين إلى محاربة الروسيا، فالتزمت الدولة أن تعالج إخراجه من أرضها بالقوة فعصى الأمر، فساقوا إليه عشرين ألف عسكري من التتار وستة آلاف من الترك، فحاول مقاومة هذا الجيش بثلاث مئة من رجاله ولكن العثمانيين لم يريدوا أن يغدروا بنزيلهم وصبروا عليه حتى رجع إلى السويد من نفسه بعد أن أقام سنتين في تركيا.
وفي تلك المدة استفادت الدولة من الهدنة مع الروسيا وطردت البنادقة من جميع بلاد الموره، ومن بعض البلاد التي كانت باقية لهم في كريت، ولكن جزيرة كورفو امتنعت على العثمانين، فالتجأت البندقية إلى النمسا، وكان قائد جيوشها أوجين دوسافوي الشهير فأعلن الحرب على تركيا وهزم الجيش العثماني في بترفاردين، وذلك في 5 أغسطس سنة 1716، وقتل الصدر الأعظم في الوقعة واستولى النمساويون على «تمشوار» وحاصروا «بلغراد»، فزحف الصدر الأعظم الجديد خليل باشا لنجدة بلغراد فانكسر أيضا، فالتزمت الدولة أن تعقد الصلح مع النمسا وأخلت لها تمشوار وبلغراد وقسما من بلاد الصرب ومن بلاد الفلاخ، ورجع بطرس الأكبر فاستفاد من هزيمة تركيا هذه، وأخل بالمعاهدة التي كان عقدها معه البلطجي، فتجددت معاهدة أخرى وأقنعت الروسيا عدوتها تركيا بالاتحاد معها على قضية النظام الإرثي في مملكة بولونيا، وغفلت تركيا عن كون بولونيا حصنا حصينا لها فسايرت الروسيا.
وتولى الصدارة إبراهيم باشا فقام يحارب العجم وأثار السنية الذين في بلادها فانتهز بطرس الأكبر الفرصة وأغار على الطاغستان وسواحل بحر الخرز، فأرسل خان القريم ينذر الدولة بسوء المصير، فزحفت الجيوش العثمانية على أرمينية وكرجستان وكادت الحرب تقع بينها وبين الروس، فخاف بطرس الأكبر أن تدور عليه الدائرة هذه المرة أيضا، فوسط فرنسا بينه وبين الدولة، فسعى دوبوا سفير فرنسا في إرضاء الفريقين وذلك من أملاك العجم.
وكانت فارس يومئذ في حال أشبه بالفوضى، وكان الشاه مير محمود قد تغلب عليه أشرف ابن عمه واستولى على الملك ونازعه طاهماسب، وكان هذا أحق بالملك شرعا، فتحارب الاثنان وانتهى الأمر بهزيمة أشرف والتحاقه بسجستان حيث مات، وكان عند طاهماسب قائد عظيم اسمه نادر كولي، كان في الأصل زعيم أشقياء، فزحف صوب تركيا واستدرج الولايات الفارسية التي كانت قد دخلت في الحوزة العثمانية، فلم يشأ السلطان أن يثير على فارس حربا، فغضبت الانكشارية وثاروا وطلبوا رأس الصدر الأعظم ورأس شيخ الإسلام ورأس القبطان باشي، فامتنع السلطان عن إعطائهم رأس شيخ الإسلام، ولكن قتل لهم الآخرين، فلم يزدهم ذلك إلا تمردا وخلعوا السلطان أحمد وبايعوا محمود الأول.