Salan Kenem » مع جيش ألماني يقوده لويس فون بادن، وكان الصدر الأعظم مخترطا سيفه أمام الجيش فأصابته رصاصة في صدره فخر قتيلا، ودارت الدائرة على الأتراك وفقدوا ثمانية وعشرين ألف مقاتل ومئة وخمسين مدفعا، وكانت مصيبة من أعظم المصائب على الدولة، وفقدت بفقده وزيرا عاقلا عادلا نشيطا جريئا مهذبا صادقا اجتمع فيه من الخلال الباهرة ما قلما وجد في رجل من رجال السياسة.
فبكاه المسلمون والمسيحيون معا وأسف الجميع لفقده وبقيت الدولة مدة أربعة سنوات لم يلتئم جرحها الذي تركه موت الكوبرلي.
السلطان مصطفى الثاني
ثم تولى السلطنة مصطفى الثاني بن محمد الرابع، وكان عهده متسما بالمتانة والصلابة، ورجع السلطان إلى دأب أجداده الأولين، وأعلن أنه سيباشر قيادة الجيش بنفسه، فقال له بعض وزرائه: إنه لا يجوز له أن يعرض للتهلكة شخصه المقدس. فرفض كلامه، وفي بداية أمره كسر الأسطول العثماني في خليج شيو أسطول البنادقة، وزحف خان التتار إلى بولونيا، وأوقع بأهلها ولم يتوقف إلا عند لمبرغ. وجاء الروس فحاصروا آزوف فهزمهم العثمانيون والتتار وقتلوا منهم ثلاثين ألفا. وذلك في أكتوبر سنة 1695 ثم دخل السلطان بنفسه بلاد المجر وفتح ليبة، وجاء الجنرال فيتيراني ليصده فأحاط به الجيش العثماني، وبعد عراك شديد كثرت فيه الخسائر من الفريقين أخذ قيتيراني آسيا وأمر السلطان بدق عنقه، ثم انتصر السلطان في واقعة أولاش على أمير الساكس، وبينما كانت الأمور جاريه وفق مراد العثمانيين إذ تولى البرنس أجين دوسافوا قيادة الجيش الألماني.
سلطنة مصطفى الثاني ابن محمد الرابع التي أبتدأت سنة 1695 كانت فاتحتها فاتحة حزم وعزم، وما مضى ثلاثة أيام على استواء السلطان على سرير الملك حتى أعلن نيته أن يتولى قيادة الجيوش بنفسه خلافا لما كان عليه أسلافه المتأخرون، وقد حاول بعض وزرائه أن يأفكه عن عزمه هذا فلم يستفد شيئا. وقال له السلطان: إني ماض في خطتي هذه. ثم إن عهد هذا السلطان بدأ بالظفر، فالأسطول العثماني كسر أسطول البنادقة أمام جزيرة سافس واستولى العثمانيون على هذه الجزيرة، وزحف خان القريم على بولونيا وأوغل وأثخن ولم يتوقف إلا عن لمبرغ، وكذلك الروس تركوا حصار آزوف بعد أن فقدوا ثلاثين ألف مقاتل وذلك في أكتوبر سنة 1695، ثم إن السلطان نفسه دخل بلاد المجر وافتتح مدينة ليبة عنوة وأسر الجنرال فيتيرافي وأمر بقطع عنقه، ثم تغلب السلطان في واقعة أولاش على أمير الساكس قائد الجيش الألماني في السنة التالية، فاشتعلت حماسة العثمانيين وصاروا يجودون بالعطايا لتجهيز الجيوش ولتكتيب كتائب من المتطوعة، إلا أن طالع الحرب لم يستمر طويلا على هذا الشكل، فإن بطرس الأول قيصر الروسيا عاد فافتتح آزوف، والبرنس أوجين دوسافوي تولى قيادة الجيوش النمسوية فكسر الجيش العثماني على نهر «تيس
Thaiss »، حيث فقد العثمانيون ثلاثين ألف مقاتل منهم عشرة آلاف غرقوا في النهر وقتل الصدر الأعظم، وفر السلطان ودخل العدو بلاد بوسنة، وذلك سنة 1697، فعاد الخطر فأحدق بالسلطنة، وعول السلطان على وزير جديد من آل كوبرلي وهو الكوبرلي حسين باشا، وكانت الخزانة فارغة فجاء الكوبرلي هذا ورمم الأحوال وحشد جيشا عهد بقيادته إلى دالتبان باشا وسرحه إلى بوسنة، فأجبر النمسويين على الانكفاء إلى الوراء، فعبروا نهر الساف، وكان لويس الرابع عشر يغري تركيا بمتابعة القتال، ويتعهد لها بواسطة سفيره الماركيز دوفريول بأنه لا يصلح النمسا إلا إذا استرجعت تركيا بلاد المجر وجميع البلدان التي فقدتها، ولكن سياسة النمسا تغلبت في ذلك الحين، وقيل إن الذهب لعب دوره في هذه المسألة، وانعقد الصلح بين تركيا والنمسا على شرط ترك الأولى للثانية جميع المجر وترانسلفانيا، وسميت هذه المعاهدة بمعاهدة كارلوفيتس وتاريخ انعقادها 26 يناير سنة 1699، وبموجبها تقررت الهدنة بين الدولتين إلى مدة خمس وعشرين سنة وصار نهر الساف ونهر أنة فاصلا بين تركيا والنمسا، واسترجعت بولونيا كامينيك وفادوليه وأوكرانية وبقيت أزوف للروسيا، وصارت بلاد المورة وجميع دلماسيه إلى جمهورية البندقية وألغيت جميع الجزى التي كانت تدفعها الدول المسيحية إلى الدولة العثمانية.