ومن آثار العثمانيين في بود حمامات معدنية لا تزال إلى الآن، ثم اشتبك سليمان باشا مع العدو في موهاك، وهو مكان كان العثمانيون كسروا فيه المجر قبل ذلك التاريخ بمئة وستين سنة، فلم يسعدهم طالع الحرب هذه المرة وخسروا عشرين ألف مقاتل مع المدافع والذخائر، ودخل العدو بلاد ترانسلفانيا واستولى عليها واستولى على أربعة عشر حصنا في سلافونيا وعلى كثير من القلاع في كرواسية، والمجر السفلى، فبعد توالي هذه المصائب على الدولة لم تجد الأمة أمامها وسيلة لإصلاح الحال سوى خلع السلطان محمد الرابع، فخلعوه في 8 نوفمبر 1687 وبايعوا أخاه السلطان سليمان الثاني.
السلطان سليمان الثاني
وكان سليمان الثاني محبوسا مدة ستة وأربعين سنة في أحد القصور لا يخالط أحدا ولا يخالطه أحد، وكان يقضي أوقاته بالمطالعة، فلما عرضوا عليه السلطنة حاولا الاستعفاء منها، فأجبروه على القبول، ولكن الانكشارية والسباهية ثاروا على الحكومة وقتلوا الصدر الأعظم وأهانوا حرمه، فلما شاع الخبر في الأستانة ثارت حمية الشعب وخرج العلماء تحت العلم النبوي، ودعوا الأهالي إلى تأديب العسكر، فانقضوا عليهم وفتكوا بهم، وقتلوا كثيرا من رؤسائهم، فأخلدوا إلى السكون وبقي النمسيون والبنادقة يتقدمون في فتوحاتهم، فاستولوا على أرلو وطردوا العثمانيين من دالماسية، وأخيرا دخلوا بلغراد، فالتمس الأتراك الصلح، فاشترطت النمسا شروطا ثقيلة إلى الغاية، فحاول العثمانيون الثبات فتقهقروا أيضا وأخرجهم العدو من نيش وودن، وأصبحت أسكوب تحت خطر السقوط، وقال أحد الوزراء: لا يزال أمامنا حملة واحدة ويصير العدو في الأستانة. فعقدت الدولة مجلسا في أدرنة للتشاور فيما يجب عمله لإنقاذ السلطنة، وعهد بالصدارة إلى مصطفى باشا الكوبرلي ابن الكوبرلي الكبير وأخو أحمد باشا الكوبرلي، فقام بالأمور خير قيام وبدأ بإصلاح السلطنة من الداخل وملأ الخزائن بالأموال، واستأصل الرشوة، وأخذ على أيدي الظالمين، وسن قوانين عادلة للخراج، وكان جانب من موارد السلطنة تحول إلى الأوقاف فأسترجعها الكوبرلي وقال: إن الجهاد أولى بها. ثم بعد أن ملأ خزانة السلطنة بالأموال اللازمة نشر فرمانا يقول فيه: إن الله يأمر المؤمنين بالجهاد إلى آخر رمق من حياتهم، وإنه يجب على المسلمين أن ينفروا خفافا وثقالا. فثارت الحمية في رءوس المسلمين ونفروا من كل صوب، وفي الوقت نفسه عامل النصارى بمزيد الرفق، وأطلق حرية التجارة فاستفاد من ذلك اليهود والنصارى. من جملة ما شدد به هذا الصدر الأعظم الرشيد منع العساكر من الاعتداء على الأهالي ولو بمثل حبة الخردلة، ومن خالف ذلك أنزل به العقاب الصارم، ثم نظر إلى أحوال القضاء فطهر المحاكم وأشعر الرعية وجود العدل، وأعاد مجد السلطنة كما بدأ، وبحسن إدارته هذه حفظ للسلطنة بلاد المورة، لأن الأهالي قاموا إذ ذاك وانتصروا للدولة على البنادقة، لا سيما أن هؤلاء كانوا يسعون في نشر المذهب الكاثوليكي بين الأروام الأرثوذكسيين، فلما رأى الأروام ما رأوا من عدالة هذا الصدر وحسن إدارته رجعوا إلى الدولة العثمانية من تلقاء أنفسهم.
وبعد أن سدد الكوبرلي أحوال السلطنة وأعاد هيبة الحكومة كما كانت زحف إلى الثغور، ووافاه خان القريم سليم غرائي، فبدءوا ببلاد الصرب فدوخوها وهزموا جيشا ألمانيا في قوصوة، وهزم الأمير تكلي المجري حليف الدولة الجنرال هوسار وأخذه أسيرا، واسترجعت الدولة نيش وردن وسمندريا وبلغراد، وذلك سنة 1690 ثم مات السلطات سليمان الثاني.
السلطان أحمد الثاني
وخلفه أخوه أحمد الثاني في 23 يونيو 1691 فكان للكوبرلي في مدة أحمد من نفوذ الكملة ما كان في مدة سليمان، حتى إن السلطان أحمد قال مرة: إني لا أريد أن أعترض الكوبرلي في شيء من أمور الإدارة خوفا من أن يتعطل بذلك ما هو أدرى مني. إلا أن الأقدار أبت إلا حرمان السلطنة العثمانية من هذا الرجل العظيم، فإنه في الحرب في النمسا تلاقى في «سالان كنيم