ولما وصل خبر سقوط بغداد إلى السلطان مراد الرابع حاول علي باشا الصدر الأعظم إخفاء الخبر عن السلطان، ولكن المفتي أسعد أفندي أخبره بالحادثة، فصدر أمر السلطان بقتل الصدر وعين مكانه شركس محمد، وسرحه بجيش لقتال اباضة والي ارضروم الذي عصى الحكومة وأخذ يقتل الانكشارية في كل سهل وجبل، فزحف إليه القائد حافظ باشا وهزمه ثم صالحه على أن يبقى واليا على ارضروم، وفي أثناء ذلك مات الصدر الأعظم محمد باشا، فتولى مكانه حافظ باشا وزحف إلى بغداد، وانكفأ إلى الموصل ثم إلى ديار بكر، وعاد الانكشارية إلى الثورة، فعزل السلطان حافظ باشا وولى مكانه خليل باشا، فزحف هذا ليأخذ أباظه والى أرضروم فلم يقدر عليه، فعزله السلطان وولى خسرو باشا، فتمكن هذا من إخضاع أباظة ولكنه عوضه من أرضروم بولاية بوسنة.
وبقيت الثورات تتوالى في وسط السلطنة والحالة تسوء، ولكن الله فرج عن الدولة العثمانية بموت الشاه عباس أكبر سلاطين الدولة الصفوية، فخلفه ابنه وكان شابا غرا فزحف خسرو باشا إلى العراق وهزم جيوش العجم، لكنه لم يقدر على فتح بغداد برغم مهاجماته الكثيرة لها، ورجع خسرو باشا إلى الموصل، فرد السلطان إلى الصدارة حافظ باشا الذي لم يكن عنده مثله في كافيته.
فلما علم العسكر أن السلطان عزل خسرو باشا ثاروا على السلطان وتقاضوه رأس حافظ باشا، وكان المحرك للعسكر على هذا العمل هو خسرو باشا نفسه، ف-أذن السلطان للعساكر في الانصراف من العراق أملا بتسكينهم، فلما وصلوا إلى الأستانة ازدادوا تمردا وهجموا على القصر، ففتح السلطان لهم الأبواب واستدعى اثنتين من الانكشارية واثنين من السباهية، وقال لهم قولا لينا لعلهم يتناهون عن غيهم، فلبثوا مصرين على أخذ رأس حافظ باشا، فبذل حافظ باشا نفسه لأجل راحة مولاه، وخرج إليهم حتى قتلوه طعنا بالخناجر، ولكن لم يسقط رخيصا برغم شيخوخته، ولم يقتل إلا بعد أن قتل منهم عدة، وسكنت ثورة العسكر مؤقتا، ولكن السلطان لم ينس عصيانهم لأمره وكونهم إنما عملوا بدسائس خسرو باشا فأمر بخنقه، فثار العسكر مرة ثانية ونادوا بخلع السلطان مراد، وكان متولي كبر هذه الثورة رجب باشا، فظهر في هذه الحادثة أن السلطان الشاب كان بطلا عشمشما، فإنه أمر حالا بقتل رجب باشا والرمي بجثته إلى العسكر ولم يبال بهم، وطلب السلطان من أحمد آغا قائد السباهية أن يقبض على رءوس الثورة، فماطل في إنقاذ الأمر السلطاني، فأمر السلطان بقتله مع أربعة من رفاقه، وجاء المفتي الأعظم يخوف السلطان من عاقبة استخفافه بغضب العلماء فقتله، فعلمت السلطنة أن على رأسها رجلا غير الرجال الذين عرفتهم إلى ذلك الوقت منذ مدة طويلة ودخلت الناس في الطاعة.
وكان الأمير فخر الدين المعني أمير لبنان ثار بالدروز على الدولة، وعقد معاهدات مع بعض الدول الأوروبية، ولما لم يقدر على مقامه الدولة جاء إلى فلورانسه من إيطاليا، ثم بعد أن أم عدة سنوات في فلورانسة في خبر يطول شرحه، ولا يسعه هذا المختصر زحف إليه الكوجك أحمد باشا بجيش جرار، وبعد وقائع شديدة دارت الدائرة على الأمير فخر الدين، وقتل ابنه الأمير علي - وكانت أم الأمير علي أرسلانية - في واقعة حاصبيا فالتجأ الأمير فخر الدين إلى مغارة في جبل الشوف اسمها شقيف تيرون، ويقال لها اليوم قلعة نيحا، وهي كهف عظيم في بطن جبل أشبه بالحائط لا يمكن الرقي إليه من الأسفل ولا النزول إليه من سطح الجبل ولا العبور إليه من الجانبين! وإنما يدخلون إليه من أحد الجانبين زحفا على البطن واحدا وراء واحد، على صخرة ضيقة مشرفة على الوادي لا يمكن الإنسان أن يمر بها واقفا، وقد دخلت أنا نفسي زحفا على الصورة إلى هذا الكهف الذي كان يلجأ إليه العصاة في كل حين، وكان ممن لجأ إليه الضحاك بن جندل الخارجي في أيام الحروب الصليبية، وهذا الكهف يسع نحوا من خمس مئة مقاتل، وليس فيه ماء نبع ولكن آبار تجري إليها مياه تحت الأرض بأنابيب من عين يقال لها عين الحلقوم، كانت في ذلك الوقت مطمورة، فلما جاء الكوجك أحمد باشا ورأى استحالة الوصول إلى الكهف لأنه لا يؤتى لا من فوق ولا من أسفل ولا من عن أيمانه ولا من عن شمائله سأل عن مشرب أهل الكهف، فقيل له إن الماء يجري تحت الأرض، ولكنه غير معلوم أصله ولا مكان جريه، فأتى القائد المذكور بخيل تركها عدة أيام عطاشا، فلما أفلتها على سطح الجبل وهي عطاش شمت رائحة الماء فصارت تضرب بأرجلها على الأماكن التي كان الماء يجري تحتها، فعلم الكوجك أن الماء هو هناك فأمر بحفر الأرض حيث كانت الخيل تضرب بأرجلها، فوجد أنابيب الماء فلم يقطع الماء لأنه لو قطع الماء والآبار التي في الكهف ملأى لبقي الأمير فخر الدين قادرا على الامتناع مدة طويلة، فذبح الكوجك بقرا في بحري الماء فجرى دما إلى الآبار، وفي أحد تلك الأيام قام الأمير فخر الدين صباحا فقال له جماعته: تعال فانظر الآبار، فنظر فإذا هي دم، فأمر الجند الذين معه بأن يخرجوا ويستسلموا للقائد وفي جوف الليل دلى نفسه هو ومدبر أموره أبو نادر الخازن ومعهما خادم، وذلك من الكهف إلى أسفل، وهو علو خمسين مترا، ومن هناك ذهب إلى كهف آخر يشابه شقيف تيرون، واسمه مغارة جزين، فأرسل الكوجك أحمد باشا جماعة نقبوا الصخور من تحت الكهف الثاني، وما زالوا يحشونها بالبارود ويقطعون منها جانبا بعد جانب حتى أوشكوا أن يصلوا إلى المغارة، فاضطر الأمير فخر الدين أن يستسلم إلى الكوجك أحمد الذي أرسله إلى الأستانة مع أولاده الثلاثة منصور وحيدر وبلك.