تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبلغ الخبر أمراء مولدافيا والفلاخ فوعدوا بأنهم بمجرد اشتعال الثورة يعبرون نهر الطونة بجيوشهم وينضمون إلى الثوار المسيحيين، وكان كارلس الثاني دوغنزاغ قد شرع بتكتيب كتائب من فرنسا وفي بناء سفن حربية على نفقة نفسه، وتبرع البابا بمبلغ مئتي ألف ذهب لهذه الحرب وبتقديم ألفي مقاتل في عشر سفن، ووعد ملك إسبانيا بست مئة ألف ذهب وعشرين سفينة، ووعد فرسان مالطة بست سفن، وتعهد اليونان بالدخول في هذه الثورة، واتفق الكاثوليك والأرثوذكس من يونانيين وألبانيين وصرب وبلغار، وتعاهد الأساقفة على ذلك، وكان الرأي العام في فرنسا مائلا جدا إلى إصلاء هذه الحرب الصلييبة على المسلمين، ونشر «سافاري دوبريف» “de Bréves”

سفير فرنسا في تركيا سابقا 1619 نشرة في وجوب محو السلطنة العثمانية، ودعا القسيسون والأساقفة في الكنائس وأعلنوا الحرب الصليبية سواء في فرنسا أو في النمسا أو في بولونيا أو في إيطاليا، إلا أن كل هذا توقف من نفسه وحبط العمل، ويقال إن الأسطول الذي كان أعده كارلس دوغنزاغ المسمى «بدوك نيفير» احترق بسبب لا يزال مجهولا واضمحلت هذه المسألة من ذلك الوقت.

وقد أشرنا في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» إلى هذه المؤامرة الصليبية في جملة المئة مشروع التي ائتمرت بها أوروبا على الإسلام في مدة ست مئة سنة فمن شاء فليراجع ذلك هناك.

وكان السلطان عثمان قد صمم أن يتخلص من أوجاق الانكشارية ويستبدل به جيشا يكون أطوع للسلطنة منه، فعلم الانكشارية بذلك وثاروا به وعينوا داود باشا صدرا أعظم، وخلعوا السلطان وساقوه إلى الأبراج السبعة، وهناك قتلوه في 20 مايو 1622 وهو أول سلطان قتل في الدولة العثمانية.

السلطان مصطفى ثاني مرة

وتولى مكان السلطان عثمان عمه السلطان مصطفى فما مضى يومان على مبايعته حتى ثار السباهية بداود باشا وطالبوه بدم السلطان عثمان، فقال لهم: إنه ما قتله إلا بأمر السلطان مصطفى، فلم ينفعه هذا العذر وأسقطوه من الوزارة، وصارت الحكومة ألعوبة في أيدي العساكر حتى يقال إنهم أسقطوا ستة صدور عظام في مدة الخمسة عشر شهرا التي تولاها مصطفى، وصارت الأمور في نفس الأستانة أشبه بالفوضى، وعصى باشا طرابلس الشام، فطرد الانكشارية من بلده، وعصى باشا ارضروم وزحف إلى أنقرة وسيواس وعذب من سقطوا في يده من الانكشارية، وانضمت بلدان كثيرة في الأناضول إلى الثوار كرها بالانكشارية، وأراد العلماء أن يوقفوا الانكشارية عند حدهم، فلم يفلحوا، وأخيرا تولى الصدارة علي باشا، فرأى أنه لا يستتب النظام بوجود سلطان بلغ هذا الحد من ضعف العزم، فقرر خلعه ومبايعة مراد أخي السلطان عثمان.

السلطان مراد الرابع

وكان مراد مراهقا لم يتجاوز اثنتي عشرة سنة من العمر فلذلك بقي السباهية والانكشارية يسرحون ويمرحون كما يشاءون، ويعسفون الأهالي باسم السلطان.

واستفادت العجم من هذه الحالة فتجاوزت على ملك آل عثمان وزحف الشاه عباس على بغداد وفتحها بعد حصار ثلاثة أشهر وعذب أهل السنة وشنق نوري افندق قاضي بغداد وعمر أفندي خطيب الجامع الأعظم، وكان والي بغداد في الأصل ضابطا من ضباط الشرطة اسمه «بكير آغا»، فعصى الوالي وأراد أن يستأثر هو بالولاية واعصوصب حوله جماعة على شاكلته، فغلب عليه حافظ باشا وكاد يوقع به، فأرسل بكير آغا إلى الشاه عباس ليأتي إلى بغداد فيسلمه البلد، فلما جاء الشاه عباس وطلب مفاتيح بغداد وجد بكير آغا قد صالح العثمانيين على شرط أن يكون واليا، فالتزم الشاه عباس أن يحصر بغداد وأخذ يغاديها القتال ويراوحها، ولم يتمكن منها إلا بخيانة أبي بكير آغا الذي وعده الشاه عباس بأن يجعله واليا محل أبيه، فلما فتح الشاه عباس بغداد بقي يعذب بكير آغا ستة أيام، ثم وضعه في زورق مطلي بالقطران الملتهب وتركه في دجلة ثم قتل ابنه الذي خان أباه.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٢٣