فلما وصل الأمير فخر الدين إلى الأستانة قال للسلطان: إنني مظلوم ولم أبن القلاع إلا حماية من الأعداء ولم أحارب إلا من كان عاصيا للدولة، وقد أمنت طريق الحج ومنعت الأعراب عن التعدي، وأديت الأموال الأميرية وأيدت الأحكام الشرعية. فعفا عنه السلطان. إلا أن الأمير ملحم المعني جمع رجالا من حزبه القيسية ونهض لقتال الأمير علي علم الدين، الذي كانت الدولة ولته جبل الشوف، فنهض الأمير علي لقتاله ومعه اليمنية فجرى بينهم قتال دارت فيه الدائرة على اليمنية، فكتب الكوجك أحمد باشا للسلطان بأن هذه المشاغبات كلها هي من دسائس الأمير فخر الدين ، فصدر أمر السلطان بقتله مع أولاده، وذلك 3 مايو 1635 واستحيا السلطان من أولاده الأمير حسينا واستخدم بالحضرة وترقى وعاش زمنا طويلا، وكان عمر الأمير فخر الدين يوم قتل اثنتين وخمسين سنة وكان قصير القامة طويل الباع عالي الهمة، استولى على معظم سورية ما عدا دمشق وحمص وحماة وحلب، وقيل له سلطان البر، وكان عنده جيش دائم 12 ألفا.
هذا ولقد تمكن السلطان مراد الرابع بحزمه وشدة بأسه من قمع الفتن الكثيرة، وهدأت الأحوال في زمانه وزحف لقتال العجم على رأس جيش جرار، وبينما كان زاحفا كان يأتي من الصرامة أعمالا توقع الرعب في قلوب الذين تحدثهم أنفسهم بالانتفاض، وفي طريقه استولى على قلعة أريوان ثم على قلعة تبريز وأحرقها ثم عاد إلى القسطنطينية يستريح من وعثاء السفر، فما كاد يستقر به المقام حتى رجع الإيرانيون فحشدوا واسترجعوا أريوان وكسروا العثمانيين في صحراء ميربان.
فنهض السلطان مراد ثانية وزحف إلى بغداد ولبس ثياب جندي من عامة الجند، ونزل بنفسه يقاتل في الخنادق، وكان معه الصدر الأعظم، فلما حمل العسكر العثماني كان السلطان والصدر الأعظم والوزراء يقاتلون بأنفسهم كسائر العسكر، وأصابت الصدر الأعظم طيار محمد باشا رصاصة برأسه فسقط قتيلا، وأخذ السلطان مراد بغداد عنوة على أثر حمله استمرت ثمانيا وأربعين ساعة، ثم انعقد الصلح بين الدولة والعجم على أن بغداد تعود لآل عثمان وأن أريوان تعود للعجم.
وكان مراد الرابع في شدة بأسه، ومضاء عزمه وعظمة مهابته، أشبه بآل عثمان الأولين ولو طالت حياته لجدد عهد سليمان القانوني، ولكنه بعد أن استولى على بغداد استرسل إلى الشهوات البدنية وأدمن شرب الخمر، فاعتلت صحته وبلغت منه العلة أن صارت الروح فيه دماء، وبقي يأمر بسفك الدماء، ويقال إنه بينما كان وصل إلى دور النزاع أمر بقتل أخيه إبراهيم، ولكن السلطانة الوالدة أمرت بعدم إنفاذ هذا الحكم، وقالت له إنه نفذ، وفي 9 فبراير سنة 1640 أسلم الروح، وكان عمره تسعا وعشرين سنة، وهو الذي أنقذ السلطنة بعد أن كادت تتمزق أيدي سبأ بالفتن والثورات وانتفاض الأمراء كل واحد من جهة، فأعاد مراد وحدة السلطنة بشدة حزامته وصرامته، وأزال كثيرا من المظالم، وأعاد النظام إلى الجيش، وفي أيامه ازدادت وارادات السلطنة وحسنت جباياتها، ولم يكن يعاب إلا في ظمئه إلى سفك الدماء، فإنه كان يتلذذ بالقتل، وكان له عيب آخر وهو شدة غرامه بالمال، فكان يحب الأحمرين «الدم والذهب» ولم يكن لمراد الرابع أولاد، فتولى السلطنة بعدة أخوه السلطان إبراهيم، ولولا وجود السلطان إبراهيم هذا لانقرضت عائلة آل عثمان لأنه لم يكن بقي منها غيره.
السلطان إبراهيم
وبدأ السلطان إبراهيم ملكه بمصالحة النمسا، ولكن حصلت حادثة أدت إلى الحرب بينه وبين جمهورية البنادقة، وهذه الحادثة من أغرب حوادث التاريخ، وهي أن رئيس الخصيان في القصر الذي يسمونه قيزلر آغاسي، كان عنده في الحرم جارية حسناء بارعة الجمال، اختيرت لتكون ظئرا للأمير محمد بن السلطان إبراهيم، وكانت هذه الجارية قد حملت ثم وضعت ولا يعلم من أين وقع حملها، فشغف حبها السلطان حتى صار يفضل طفلها على طفله، فوقعت الغيرة في السراي وكاد السلطان يقتل طفله من شدة شغفه بالجارية وحبه لطفلها، فلم يجد القيزار أغاسي حيلة أحسن من أن يقصد الحج ويأخذ معه الجارية والطفل.