ومنهم عبد الواسع بن محمد ابن المفتي أبي السعود، كان من المدرسين المعروفين وكان يكتب الخط النادر الجميل.
ومنهم محمد بن نور الله المشتهر ب«أخي زاده»، أخذ عن عرب شلبي وعن المولى عبد الباقي، ولازم خير الدين معلم السلطان سليمان، ثم درس بمدرسة خير الدين باشا في بشكطاش وفي غيرها، ثم تقلد القضاء وانتهى بأن صار قاضيا للعساكر، وكان بحرا من بحار العلوم أنظر أهل زمانه.
ومنهم شمس الدين أحمد المعروف ب«العزمي» ولد في القسطنطينية وطلب العلم ودرس بالمدرسة الأفضلية ثم بمدرسة سنان باشا بيشكطاش.
ومنهم المولى محمد المعروف ب«صارو كرداوغلي» كان من ملازمي المفتي أبي السعود وتنقل في المدارس الشهيرة.
ومنهم المولى خضر بك بن عبد الكريم القاضي، وكان من المدرسين، وتوفي وهو مدرس في بروسة. قال صاحب الدر المنظوم: «وكان من الغائصين في بحار العلوم، غير أنه لا يخلو عن القيل والقال، مطلق اللسان في السلف ومزدريا بشأن الخلف مع غاية الإعجاب بنفسه، لطف الله به في رمسه.»
السلطان محمد الثالث
وتولى بعد مراد الثالث محمد الثالث، وكانت أمه من البندقية (يافه) ولما تولى محمد الثالث كان له تسعة عشر أخا فقتلهم جميعا، وبرغم من هذه الفعلة الغريبة كان حسن العقيدة صارما في إحقاق الحقوق مهتما بتنفيذ الشريعة الغراء، وفي زمانه تولى الأمور سنان باشا وحسن باشا وسيكار زاده، وعسفوا الرعية وأثقلوا كواهل الأهالي بالضرائب، ولم يقدر السلطان على إصلاح الحال، وكانت الحرب مستمرة وكانت العساكر العثمانية غير موفقة في بلاد الفلاخ حيث اتفق أمير الفلاخ مع أمير ملدافيا وأمير ترانسلفانيا، والإمبراطور وداف الثاني، فزحف سنان باشا واستولى على بخارست سنة 1595، إلا أن ميشيل أمير الفلاخ عاد فهزم العثمانيين، وقتل أسرى الأتراك بالخازوق، وشوى علي باشا وكدجي بك على النار، وصار الفلاخيون يتقدمون كل يوم إلى الأمام، ولكن الدولة العثمانية لم تكن تستغني عن بلاد الفلاخ لما كانت تستدره من أخلافها وتنعم به من خيراتها، وبينما هي تفكر في استرداد بلاد الفلاخ التي هي في هذا العصر مصاص مملكة رومانيا، مات الأمير ميشيل هذا فتخلصت الدولة العثمانية من شره.
وأما النمسا فكانت جيوشها استولت على غران ويسغراد وبابقشة وكليس فهاجت خواطر العثمانيين جدا، واضطر السلطان أن يخرج بنفسه إلى الحرب سائرا على خطة أجداده الأوائل، فوقع المصاف في سهل كيرستس في 26 أكتوبر 1596 ودارت الدائرة على النمسويين والمجر، وخسروا خمسين ألف مقاتل في تلك الموقعة، إلا أن العثمانيين لم يحسنوا الاستفادة من هذا الظفر العظيم وفي سنة 1598 رجعت النمسا وهاجمت مدينة راب، وعرضت على ساتورجي باشا تسليم البدلة فرفض، ولما وقع في أيدي النمسويين قطعوه إربا، والتجأ ثلاث مئة من العثمانيين إلى القلعة، ووضعوا النار في البارود فانفجر مخزن البارود، وقتل فيه المحاصرون والمحصورون واستولى النمسويون بعد ذلك على دولا ويسيريم وبابا، وانكسر حافظ أحمد باشا في نيقوبوليس ثم في بود ، فزحف الصدر الأعظم إبراهيم باشا وأنقذ بود واستولى على كانيشة سنة 1600، واستعمل إبراهيم باشا حسن السياسة مع الصرب والفلاخيين فانقادوا إلى الطاعة.
وأما حالة السلطنة في الداخل فقد كانت من أسوأ ما يكون، فلم تكن تسكن ثورة في جهة حتى تثور ثورة في جهة أخرى، وأهمها ثورة «قرة يزيدجي عبد الحليم» في الأناضول، وكان استولى على «أورفة» ثم اتفق مع أخيه الدلي حسن والي بغداد وادعى السلطنة، ولم تتغلب الدولة عليه إلا بعد جهاد طويل، وثار والي ديار بكر ووالي الشام ووالي حلب ووالي كوتاهية ووالي بغداد الدلي حسن المذكور، فتغلبت الدولة عليهم بعد عناء لا يوصف ونقلت والي بغداد إلى بوسنة.