تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أوجاق السباهية ثار على الحكومة بسبب تأخر أرزاقه، ولو شاركه أوجاق الانكشارية لقلبوا الحكومة والسلطان معا، ولكن الانشكارية حافظوا على الأمانة وفي أثناء ذلك مات محمد الثالث.

السلطان أحمد الأول

وخلفه ابنه أحمد الأول وهو لم يتجاوز الرابعة عشر من العمر، وكانت السلطنة منهوكة القوى بكثرة الفتن، وهي تحارب النمسا في أوروبا والعجم في آسيا لأن الشاه إسماعيل كان أعلن الحرب، واسترجع تبريز ووان وإيروان، بينما العصاة في أكثر بلاد الأناضول قد رفعوا رءوسهم، وفي ذلك الوقت عصى الأكراد تحت قيادة «جان بولاد» في حلب وعصى الدروز الذين تحت قيادة الأمير فخر الدين المعنى، فاسترضى مراد باشا الصدر الأعظم جمعا من رؤساء العصاة، وأرسلو جان بولاد واليا على طمشوار في البلقان، وأرضوا قلندر أوغلي بولاية أنقرة، فرفضت أنقرة قبول الثائر، فعاد إلى العصيان، فزحف إليه مراد باشا فهزمه وأرسل من فتك بموصلى شاويش وهو من رؤساء العصاة، كما استجلب إليه يوسف باشا والي منشة وآيدجين الذي كان عاصيا أيضا، فلما حصل في يده خنقه. وفر الأمير فخر الدين المعني إلى البادية. والخلاصة أن مراد باشا أتى بخوارق العادات من الحزم والدهاء حتى استأصل جراثيم الفتن التي كادت تقضي على كيان السلطنة العثمانية فلقبوه بمجدد السلطنة، وما انتهى من قمع الفتن الداخلية حتى وجه همته لمحاربة العجم.

ومن أغرب الأمور أن هذا الشيخ قام بجميع تلك العزائم والعظائم وهو في سن التسعين، أي كان أسن من موسى بن نصير يوم فتح الأندلس، ولكن أثر فيه التعب، وفي 5 آب 1611 انتقل إلى رحمة باريه، فاستدعى السلطان أحمد للصدارة الوزير نصوح باشا والي ديار بكر، فعقد الصلح مع العجم، وأعاد لهم البلاد التي كانت الدولة أخذتها منهم، فأما من جهة النمسا فإنه كان وقع بينها وبين المجر خلاف نفع العثمانيين، وبايع المجر ملكا اسمه بوسكاي، فدخل تحت حماية السلطان، وزحف لالا محمد باشا بجيش استرجع غران ويسغراد ويسيريم، فعادت النمسا فصالحت بوسكاي ملك المجر، وبقيت عساكر الدولة وحدها تحارب النمسا، وكانت الدولة مضطرة إلى الصلح تطفي نيرن الفتن المشتعلة في الأناضول، فانعدقت بين الدولة وبين النمسا معاهدة «سيتفاتوروك

Sitvotorok » سنة 1606، فنزلت الدولة عن الجزية السنوية التي كانت تدفعها لها النمسا وهي ثلاثون ألف دوكة، واكتفت بقبض مئتي ألف ريال غرامة حربية، وأعاد كل من الفريقين الأسرى الذين في يده، وبقيت للدولة غران وابرلو وكانيشه، وبقيت في يد النمسا راب وكورنون، وهذه المعاهدة هي أول معاهدة حصلت بها المساواة بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية، لأنه إلى حد ذلك الوقت كانت الدولة العثمانية تعامل الدول الأوروبية معاملة الأعلى للأدنى، وتتقاضى الأوروبيين جزية سنوية وإتاوات متنوعة، وبهذه المعاهدة حصلت ترانسلفانيا على نصف استقلال، وتخلصت مملكة المجر من دفع الجزية عن القسم الذي لم يكن العثمانيون يحتلونه.

ومن خصائص تلك المعاهدة أن الدول المسيحية أمكنها أن تناقش الدولة العثمانية في كيفية تحرير الصك، وقبل ذلك كانت الدولة تملي مثل هذه المعاهدات باللغة التركية وتبلغها أعداءها، وكان عليهم أن لا يراجعوا فيها. وبالاختصار كانت هذه المعاهدة أعظم إرهاص بين يدي تقهقر آل عثمان.

هذا وقد رفض أهالي ترانسيلفانيا الدخول في طاعة النمسا، فرجع الباب العالي عما تقرر في العاهدة، وزعم أن بوسكاي لم يكن له حق بالتصرف بالإمارة بدون رضى الأهالي، فولى أمراء آخرين من قبله منهم بيتلنغابور وكان من أشداء أعداء النمسا، فاعترضت النمسا على ذلك ، فأجاب الصدر الأعظم بأن المتاركة غير شرعية لأنه لم يكن وقع عليها مفتي السلطنة، فثارت إمارة مولدافيا وطرد الأهالي طومزة الأمير الذي كان من قبل الباب العالي، إلا أن إسكندر باشا جاء فقمع الثورة وأعاد طومزة إلى مكانه، ثم نشبت الحرب في تلك المدينة بين الدولة وإسبانيا، وجاءت سفن فرسان مالطة وصارت تعيث في سواحل الدولة، وغنمت أساطيل الطليان عدة سفن حربية عثمانية، فوجهت الدولة قوتها البحرية إلى البحر المتوسط، وانتهز القوزاق هذه الفرصة ونزلوا في سينوب ونهبوها، فغضب السلطان على الصدر الأعظم نصوح باشا وأمر بخنقه، وفي سنة 1604 تجددت العهود التي كانت بين الدولة وفرنسا، وربما زيد فيها وشددت الدولة في منع الأعمال القرصانية في البحر المتوسط، وعزلت والي تونس وخنقت والي الجزائر، ثم تجددت العهود بين الدولة وبولونيا وتعهدت بولونيا بمنع القوزاق، من الغارة على مولدافيا كما تعهد الباب العالي بمنع التتار من الغارة على بولونيا وفي سنة 1612 انعقدت معاهدة تجارية بين هولاندا والباب العالي.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٢١