تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي مصر ثار الجند على أويس باشا الوالي وفي تبريز خرج الجند أيضا عن الطاعة، فذبح منهم جعفر باشا ألفا وثمان مئة، وفي بود عاصمة المجر انتفض الجند بسبب تأخر أرزاقهم وقتلوا الوالي، وما زال الجند لا سيما الانكشارية يزدادون تمردا حتى قرر سنان باشا الصدر الأعظم الدخول في حرب مع دولة أجنبية ليشغل الانكشارية عن العصيان، فسرح جيشا تحت قيادة حسن باشا والي بوسنة يهاجم النمسا، فانهزم حسن باشا وزحف سنان باشا بنفسه ففتح فيسيريم وبالونة، إلا أن قائد بود انهزم واستولت النمسا على تسع قلاع، ثم ثارت ترانسيلفانيا والفلاخ والبغدان، واتحدت هذه الإمارات الثلاث مع النمسا وقتلوا المسلمين الذين كانوا ساكنين فيها، ولم تكن أحوال السلطنة العثمانية في زمن هذا السلطان على ما يرام، بل اضطرب الحبل ومات السلطان في 6 يناير سنة 1596.

ونبغ في زمن هذا السلطان من العلماء الطبيب إلياس القراماني، وكان في الأصل طبيبا ثم تبحر في العلوم العقلية النقلية ولكنه بقي يتعاطى الطب، وكان فرهاد باشا من وزراء السلطان مراد الثالث مبتلى بحبس البول، فأشار عليه الطبيب إلياس بتناول معجون تناوله فمات بعد ذلك بالزحير، فاتهم الطبيب بأنه تعمد قتل فرهاد بإشارة من الوزير محمد باشا الذي كان رقيبه فدخلت زوجه فرهاد باشا على السلطان وطلبت قتل الطبب، فأخذ وحبس وأمر السلطان بالتحقيق فلم يثبت شيء على الطبيب، وشفع به المفتي والعلماء فأخرج من الحبس، فجاء خدام فرهاد باشا وقتلوه، ولما وقف السلطان على ذلك غضب غضبا شديدا وقبض على ستين شخصا من جماعة فرهاد باشا وصلب منهم عشرة ونفى الباقين.

ومنهم مصلح الدين بن علاء الدين المشتهر ب«جراح زاده» ولد في أدرنة وقرأ على المولى لطف الله بن المولى شجاع، ثم تبع طريق الصوفية وصار من الأوليات ومات بأدرنة وتنسب إليه الكرامات الكثيرة.

ومنهم عبد الرحمن بن علي الأماسي، كان من المدرسين ثم استقضي في بروسة ثم في أدرنة ثم في العسكر المنصور ثم في مكة المكرمة، وكان ذا حظوة عند السلطان سليم الثاني، وبقي إلى زمن السلطان مراد الثالث، ولكن صاحب الدر المنظوم نبزه بمداهنة الوزراء وانهماكه بالرئاسة وليس ذلك مستحسنا في العلماء.

ومنهم الشيخ محرم بن محمد من قسطموني وكان من المتصوفة، ولما أتم السلطان سليمان جامعه الشهير نصب له به كرسي، فكان يدرس تارة ويعظ أخرى.

ومنهم المولى شمس الدين أحمد، وكان من العلماء وأصحاب الأخلاق.

ومنهم محمد بن أحمد المشتهر ب«زن» كان أبوه من ندماء السلطان سليم الأول، وطلب العلم وانتهى بأن صار من المدرسين يتنقل من مدرسة إلى أخرى، ودرس في مدرسة السلطان سليمان بجزيرة رودس، وكان أطلس بحيث إذا عري عن زي الرجال يشتبه أمره على النظر ويكون مصداق ما قال الشاعر:

وما أدري وسوف أخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء

يحكى أنه كان مع السلطان مراد الثالث ببلدة مغنيسيا وكان قد ظهر الجراد وأكل الزروع كلها فقال السلطان: كأنما الجراد لعب بلحية المفتى أيضا.

ومنهم أحمد بن حسن الصامسوني، وكان من المدرسين ثم تولى قضاء حلب ثم قضاء دمشق ثم قضاء مكة وحمدت سيرته.

ومنهم محمد بن عبد العزيز المشتهر ب«معبد زاده» من مرعش لازم المولى خير الدين معلم السلطان سليمان، وصار يتنقل في المدارس ودرس في مدرسة السلطان سليمان في دمشق ثم تولى قضاء بيت المقدس، وكان عالما أديبا وله نظم يمدح به أهل برومية ويقول فيهم:

رأيناهم أشد الناس حبا

لأهل العلم رأسا أو مسوسا

فلو كان البلاد بني أبينا

لكانت هذه فيهم عروسا

ومنهم المولى محمود المشتهر ب«الكاتب» ولد في سلانيك وكان من المدرسين المعروفين وتولى قضاء بغداد ثم قضاء آمد.

ومنهم المولى زين العباد من أولاد الشيخ إبراهيم التنوري القيصري، ولد في قيصرية وطلب العلم، واتصل بكبار العلماء وأخذ عنهم، وصار من المدرسين ودرس في دمشق بمدرسة السلطان سليمان.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١١٨