أبعد سليمى مطلب ومرام
وغير هواها لوعة وغرام
وفوق حماها ملجأ ومثابة
ودون ذراها موقف ومقام
وهيهات أن يثنى إلى غير بابها
عنان المطايا أو يشد حزام
هي الغاية القصوى فإن فات نيلها
فكل منى الدنيا علي حرام
سلا النفس عنها وأطمأنت بنأيها
سلو رضيع قد عراه فطام
وهي تسعون بيتا شرحها كثير من العلماء وله مشيرا إلى تعلق الإنسان بالعالم الجسماني قصيدة مطلعها:
طال الثواء بدارة الهجران
مثوى الكروب قرارة الأشجان
ومنها:
حتى م ترتع في مراتع غفلة
وإلى م تسلك مسلك الخسران
فكان قلبك في جناحي طائر
بادي التقلب دائم الخفقان
ما زلت تبغي مطلبا عن مطلب
وتحل في مغني عقيب مغاني
أوما كفى ما قد بلغت من المنى
قد كان ما في حيز الإمكان
ألقى الزمان إليك حبل قياده
مع ما به من شدة وحران
لو أنت تملك كل ما قدر رمته
قأعلم بأن جميع ذلك فاني
سر في فضاء العالم العلوي كم
هذا الجثوم بعالم الجثمان
قد آن من شمس الحياة طلوعها
من حضرة الأشباح والأبدان
ووجاءه كتاب من شريف مكة، فأجابه بجواب فيه ما يأتي:
وخريدة برزت لنا من خدرها
كالبدر يبدو من خلال غمام
عربية فتنكرت وازينت
بملابس الأعجام والأروام
طوبى لمن رزق الوقوف ببابها
فهو المرام وأي أي مرام
باب إليه تشوقي وتوجهي
حرم عليه تحيتي وسلامي
ياليت شعري هل أفوز بزورة
يوما وقد ضربت هناك خيامي
السلطان مراد الثالث
وتولى بعد سليم الثاني ابنه مراد الثالث، وكان محبا للعلم والأدب إلا أنه استولى عليه شهوتان، إحداهما حب المال والثانية حب الجمال، وأفرط في معاشرة النساء إلى الحد الذي أضر بعقله، ولكنه أصدر أمرا قاطعا بمنع الخمر، فثار به الانكشارية والسباهية حتى اضطروه إلى إلغاء هذا الأمر فانعكس المثل وصار اليوم أمر وغدا خمر، وفي زمانه خرقت النمسا الصلح فسارت العساكر العثمانية وهزموا جنودها، وقتل «هربرت بارون اوسبرغ» في المعركة وأرسل رأسه إلى القسطنطينية فطلبت النمسا الصلح، ولكن العثمانيين لم يزالوا يشنون الغارات على استيريا وكارنيتا فاضطر النمسويون إلى القتال، وفي ذلك الزمان صار «اتيان باتوري» ملكا على بولونيا فاتفق مع البابا ومع إمبرطور ألمانيا على حرب صليبية يصلونها الأتراك، وبدأت المذاكرة في كيفية تقسيم السلطنة العثمانية، وقد سبق لنا في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» أن الممالك الأوروبية في مدة ست مئة سنة قررت تقسيم السلطنة العثمانية وبلاد الإسلام مئة مرة، ذكرنا كل واحدة منها وكيفية المذاكرات التي جرت بها فمن شاء فليراجع ذلك هناك.
وقد كانت عزيمة إتيان باتوري هذا من أهم هذه العزائم النصرانية بحق دولة آل عثمان، وكان يريد أيضا استئصال إمارة موسكو ولكنه مات قبل أن يضع عزيمته هذه موضع الإجراء، وفي مدة مراد الثالث ضعفت قوة الصدر الأعظم الصوقلي، وتغلب عليه رقباؤه وتمكنوا من عزل حواشيه والمنسوبين إليه، وما زالو يقصون من أجنحته إلى أن أرسلوا من قتله سنة 1579 فعقدت الدولة بفقده رأسها المفكر وعقلها المدبر.
وكان شاه العجم طهماسب قد مات مسموما وخلفه ابنه حيدر فقتل في يوم مبايعته، وتولى أخوه إسماعيل فاستقر في الملك ثمانية عشر شهرا، فانتهز العثمانيون الفرصة وشنوا الغارة على أطراف العجم واستولو على بلاد كرجستان كلها وقسموها إلى أربع ولايات، فتولى أزدمير عثمان باشا ولاية شيروان، وتولى محمد باشا تفليس، وحيدر باشا صخوم، وتولى ابن اللاوند على كرجستان، فوقعت المعارك بين الفريقين، وكانت الحرب سجالا بينهم إلا أن أزدمير عثمان باشا في الداغستان كان دائما مظفرا فأتم فتح داغستان وكر على الروس.
ولما كان خان القريم تخلف عن مساعدة الدولة أراد أن يقاتله، فزحف محمد غرائي خان القريم بأربعين ألف فارس، وكاد يوقع بأزدمير عثمان باشا إلا أن إسلام غرائي أخا محمد تولى القريم من قبل السلطان، فزحف على أخيه فتفرق عن محمد غرائي جميع جنده وقتل، فلما رجع أزدير عثمان باشا إلى القسطنطينية دخل بأبهة عظيمة لم تحصل لقائد قبله، وتولى الوزارة العظمى مع قيادة الجيش الزاحف لحرب العجم، ثم إنه سار بمئة وستين ألف مقاتل إلى تبريز وهزم العجم، ودخل تلك البلدة، ولكن ساءت صحته فتعطلت الحركات العسكرية، وظفر حمزة مرزا قائد العجم بالعثمانيين، وفي أثناء ذلك مات عثمان باشا وتقهقر الجيش العثماني، ورجع العجم فحصروا تبريز وحملوا عليها خمسة عشر حملة وأصلوها ثمانية وأربعين معركة ولكنهم لم يقدروا عليها، وأرسلت الدولة فرهاد باشا لنجدتها، وفي هيعة ذلك اغتيل القائد حمزة مرزا وظفر فرهاد باشا ظفرا عظيما بالإيرانيين، فاضطر الشاه عباس إلى طلب الصلح، فانعدقت المعاهدة على أن تبقى كرجستان وشيروان ولورستان وتبريز وقسم من أذربيجان للدولة العثمانية، وفي زمن مراد الثالث اضطربت المملكة بكثرة الفتن، وظهرت علامات اختلال الإدارة، فثار الانكشارية في استانبول لأنهم أرادوا أن يؤدوا إليهم راتبهم بمعاملة ورق رقيق لم يرتضوا بها فهجموا على قصر السلطان.