تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم الشيخ بالي الخلوتي المعروف ب«سكران»، وتعاطى أول أمره التدريس ثم تبع الطريقة الصوفية فترك التدرييس والإفادة وعكف على الزهد والعبادة.

ومنهم علي بن عبد العزيز المشتهر ب«أم الولد زاده» وكان مدرسا كبيرا، ولكنه لم يكن له حظ فعانى كثيرا من الفقر ونكبات الدهر، ثم تولى قضاء حلب ولم يكد يتولاه حتى مات، وعارض المفتي أبا السعود في قصيدته الميمية لأنه كان ضاربا بسهم في الأدب متمكنا من لغة العرب.

ومنهم الشيخ محيي الدين بركيلو وكان عالما عادلا قوالا بالحق لا يهاب الحكام والأمراء وربما وبخهم في وجوههم.

ومنهم محيي الدين فكساري زاده، وكان مدرسا وكان في قول الحق صارما.

ومنهم عبد الكريم بن محمد بن أبي السعود، وتولى قضاء القسطنطينية ثم قضاء العسكر، وكان من أفذاذ العلماء، وتوفي وما بلغ عمره الثلاثين سنة.

وأما أبو السعود أفندي المفتي بن مصطفى العمادي الشهير فإنه كان حسنة زمان السلطان سليمان، وكان منه بمقام القاضي أبي يوسف من هارون الرشيد والقاضي الفاضل من صلاح الدين يوسف والقاضي منذر بن سعيد البلوطي من عبد الرحمن الناصر الأموي، ولم تطر شهرة أحد من شيوخ الإسلام في دولة آل عثمان مطار شهرته، ولد رحمه الله سنة ثمان وتسعين وثمان مئة بقرية قريبة من القسطنطينية من خواص أوقاف الزاوية التي كان السلطان بايزيد خان قد بناها للمولى محيي الدين العمادي والد أبي السعود، وقرأ المولى أبو السعود على والده وعلى الشيخ عبد الرحمن المشتهر ب«شيخ زاده» وبدأ أبو السعود أفندي بالتدريس يتنقل من مدرسة إلى مدرسة حتى انتهى إلى إحدى المدارس الثمان ولما فارقها ودعها بأبيان منها:

دنا النأي عن نجد فأصبحت قائلا

وداعا لمن قد حل هذي المنازلا

فيا حبذا تيك المعالم والربي

بها كل من تهوي وما كنت آملا

نسيم الصبا عرج عليها ونادها

سقتك الغوادي وابلا ثم وابلا

نأت عنك داري لا قلى وسآمة

بلى فعل التقدير ما كان فاعلا

ولن تبرح الأشواق تزداد في الحشا

إلى أن أرى أمرا من الدهر هائلا

وتقلد قضاء بروسة ثم قضاء القسطنطينية، ثم قضاء العسكر في الرومللي قال صاحب الدر المنظوم: ولما انتقل المولى سعد بن عيسى بن أمير خان إلى رحمة ربه اضطرب أمر الفتوى وانتقل من يد إلى يد، ولم يثبت سقف بيته على عمد حتى تسلم أبو السعود أفندي زمام الإفتاء، وذلك سنة اثنتين وخمسين وتسع مئة، وبقي في عهدته نحوا من ثلاثين سنة، وكتب الجواب مرارا في يوم واحد ثم قال صاحب الدر المنظوم: «وسارت أجوبته في جميع العلوم مسير النجوم.» وكانت وفاة أبي السعود في أوائل جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وتسع مئة وصلى عليه المولى سنان محشي «تفسير البيضاوي» ودفن في جوار أبي أيوب الأنصاري ثم قال صاحب الدر المنظوم: «إنه تفرد في ميدان فضله فلم يجاره أحد، وضاقت عن إحاطته صدور الحصر والحد، ما صارع أحدا إلا صرعه، وما صمم شيئا إلا قطعه وانقطع عن القرين، ولم يبق من يعارضه ويكابده، وقد وصل تلاميذه وأصحابه إلى المناصب السمية والمراتب السنية، فكان لا يضيع منه كلام ولا يفوت له مرام، وقد عاقه الدرس والفتوى والاشتغال بما هو أهم وأقوى عن التفرغ للتصنيف، سوى أنه اختلس فرصا وصرفها إلى التفسير الشريف، وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأذهان ولم تقرع به الآذان، وسماه ب«إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» ولما وصل منه إلى آخر سورة ص ورد التقاضي من طرف السلطان سليمان خان، وظهر كمال الرغبة والانتظار فلم يمكن التوقف والفرار، فبيض الموجود وأرسله بصهره المولى محمد المشتهر بابن المعلول فقابله السلطان بحسن القبول، وأنعم عليه بما أنعم وزاد في وظيفته كل يوم خمس مئة درهم، وبعد ذلك تيسر له الختام ورتبه بالكمال والتمام وأرسله إلى السلطان ثانيا بعد إتمامه، فقابله السلطان بمزيد لطفه وإنعامه وزاد في وظيفته مئة أخرى. وكان يمنعه عن الإكثار من التأليف تواتر الفتوى من الآفاق، ومن شمائله أنه كان ذا مهابة عظيمة، فلا يقع في مجالسه أخذ ورد، ولكنه كان كثير المداراة للناس مائلا إلى مداهنة رجال الحكومة، وكان طويل القد خفيف العارضين، غير متكالف في اللباس والطعام. انتهى بتصرف وله من النظم القصيدة الميمية المشهورة.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١١٦