وكان الصوقلي يريد أن يرسل عساكر تستولي على بلاد الفولغا في شمال الروسيا حتى يقطع ما بين الروس وبين آسيا، فسرح جيشا إلى استراخان ولكن لم توفق تلك الغزاة برغم جميع ما بذله الصوقلي من العناية، ولم يساعده خان القريم «دولة غرائي» كما كان ينتظر، وفكر الصوقلي في فتح «ترعة السويس» لتتمكن الدولة العثمانية من البحر الأحمر والبحر الهندي، ولكنه لم يتمكن من إجراء فكرته هذه بسبب توالي الحروب، وفي زمن السلطان سليم الأول كانت الحجاز واليمن دخلتا في طاعة الدولة، ولكن الزيدية لم يلبثوا أن ثاروا على العثمانيين بقيادة الإمام مطهر، وبعد أن دخل الأتراك إلى صنعاء أخرجوهم منها ومن سائر المدن، ولم يبق ترك إلا في زبيد، فأرسلت الدولة سنان باشا الأرناءوطي فتغلب على الزيدية، واعترف الإمام مطهر بسيادة السلطان، وفي زمن سليم الثاني افتتحت الدولة «جزيرة قبرص» ويقال إن الذي رغب السلطان في فتحها رجل يهودي برتغالي اسمه «يوسف ناسي» مدح له خمر قبرص، فجرد عيلها أسطولا وفتحها، وقيل إنه وعد هذا البرتغالي بتوليته قبرص، ولكنه بعد الفتح استحيا من إنجاز ذلك الوعد المدني الذي حمله عليه الشرب، ولكنه أعطى البرتغالي لقب «دوك ناكسوس» وكان الوزير الصوقلي غير مرتاح إلى فتح قبرص يفضل على ذلك مسلمي الأندلس الذين كانوا يثورون المرة بعد الأخرى على الإسبانيول، ويستنجدون آل عثمان، ولكن «لا لا مصطفى باشا» والوزير بيالي وقبطان البحر أرادوا السلطان على فتح قبرص، فساقت الدولة مئة ألف مقاتل إلى تلك الجزيرة، ونزلت العساكر في 1 آب سنة 1570 وحاصر العثمانيون نيكوزيا وأخذوها عنوة، ويقال إنهم قتلوا عشرين ألفا من الأهالي، واستولى الأتراك على ليماسول ولارناكا وامتنعت فاما غوستة وردت هجمات الأتراك، لكنها لم تقدر على المقاومة إلى الآخر، واستولى الترك عليها وقتلوا قائدها برادغادينو الذي أبدى تلك المقاومة الشديدة، ولما وصل خبر قبرص إلى أوروبا اتفقت البندقية والبابا ودولة إسبانيا وفرسان مالطة وجهزوا أسطولا كبير منه سبعون سفينة إسبانيولية وتسع سفن لفرسان مالطة واثنتا عشرة سفينة للبابا ومئة وأربعون سفينة للبندقية، فتلاقى هذا الأسطول بالأسطول العثماني في 7 أكتوبر سنة 1571، وكان الأسطول العثماني ثلاث مئة سفينة، واشتبك القتال بإزاء جزائر «كور زولاري» على سواحل بلاد الأرناءوط.
ووقعت سفينة قبطان البحر العثماني بين سفينتي الأميرال الإسبانيولي، والأميرال البندقي، فجاءت أربع سفن عثمانية لأجل تخليص أمير البحر العثماني، وفي أثناء المعمعة أصابته رصاصة فسقط وهجم الإسبانيول وقطعوا رأسه ودارت بعد ذلك الدائرة على العثمانيين، فأخذ الأسطول المسيحي منهم مئة وثلاثين سفينة غصبا وأحرقوا أربعا وتسعين وغنموا ثلاث مئة مدفع، وأسروا ثلاثين ألف مقاتل وأنقذوا خمسة عشر ألف أسير مسيحي، ولم ينج من الأسطول الإسلامي إلا أربعون سفينة لأمير الجزائر، وكانت خسائر أسطول النصرانية لا تزيد على خمس عشرة سفينة وثمانية آلاف مقاتل، وبعد هذه المعركة المشهورة بمعركة ليبانت لم تقم للبحرية الإسلامية قائمة تحمد في البحر المتوسط.
ولهذه المعركة قرعت طبول البشائر في جميع العالم المسيحي ولا يزال أهل إيطاليا يحتفلون كل سنة بتذكار هذه الموقعة، ولما بلغ الخبر السلطان امتنع ثلاثة أيام عن الطعام وطرح نفسه على الأرض يستغيث بالله أن يرأف بالإسلام لأن القوة البحرية التي كان أسسها سليم الأول وسليمان القانوني استولى عليها البوار بهذه الكائنة، ولكن الصوقلي بمهاراته لم يلبث أن شرع بتجديد الأسطول العثماني بسرعة خارقة للعادة وعضده في ذلك أمير الجزائر «أولوج علي» وتوجهت عيله إمارة البحر. فبنى العثمانيون مئة وخمسين سفينة حربية، وكان القرار هو أن يبنوا مئة وخمسين سفينة ثانية، فقال قبطان البحر: إنه يصعب على الدولة استحضار كل لوازن هذه السفن، فأجابه الصوقلي الصدر الأعظم بأن السلطنة بمنابع ثروتها تقدر أن تجعل جميع الأسلحة من الفضة وجميع الأشرعة من الأطلس، وهكذا خرج الأسطول العثماني في سنة 1572 بمائتين وخمسين بارجة حربية، فعادت البندقية تحسب للعاقبة حسابا، وفي مارس سنة 1573 ارتضت بالصلح مع الباب العالي وتخلت عن جزيرة قبرص، ودفعت ثلاث مئة ألف دوكة تعويضات ثم طرد العثمانيون الإسبانيول من تونس واستولوا على هذه البلدة، وامتنع الإسبانيول بحلق الواد إلا إن الدون جوان دوتريش جاء بأسطول إلى تونس ورد مولاي حسن الحفصي إلى الملك، ولم يطل هذا الأمر إذ بعد سنة ونصف جاء سنان باشا ومعه أربعون ألف مقاتل فطرد الحفصي والإسبانيول معا واستولى على قلعة حلق الواد التي كان امتنع الإسبانيول بها.