ثم عصت بلاد البغدان فأرسلت الدولة جيشا خلع أميرها ونصب مكانه رجلا اسمه إيفونيا وفر أمير البغدان السابق إلى الروسيا حيث قتله إيفان ملك الروس، ثم إن إيفونيا نفسه عصى على الدولة وظاهره القوزاق واستولى على برايلا ويندر واكرمن، فزحفت إليه الجنود العثمانية فهزمته ووقع في الأسر واستؤصل القوزاق بأجمعهم، ومات السلطان سليم في 12 ديسمبر 1574، ومع ما كان عليه هذا السلطان من القصور فقد كانت وفاته مصيبة على الدولة، لأنه بعد وفاته سقط الصدر الأعظم الصوقلي وكان رجلا من دهاة الرجال وكان نادر المثال.
وجاء في شذرات الذهب نقلا عن الأعلام أن السلطان سليم الثاني ولد سنة تسع وعشرين وتسع مئة ، وجلس على تخت السلطنة يوم الاثنين لتسع من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وتسع مئة ومدة سلطته تسع سنوات، وسنه حين تسلطن سنة وأربعون سنة وعمره كله ثلاث وخمسون سنة، وكان سلطانا كريما رءوفا بالرعية رحيما عفوا عن الجرائم حليما محبا للعلماء والصلحاء محسنا إلى المشايخ والفقراء طالما طافت بكفيه الآمال واعتمرت، وصدع بأوامره الليالي والأيام فأثمرت، وكم أظهرت لسواد الكفرة يد صارمه البيضاء آية للناظرين، وكم جهز جيوشا للجهاد في سبيل الله فقطع دابر القوم الكافرين.
فمن أكبر غزواته فتح جزيرة قبرص بسيف الجهاد ومنها فتح تونس المغرب وحلق الواد ومنها فتح ممالك اليمن واسترجاعها من العصاة، ومن خيراته تضعيف صدقه الحب على أهل الحرمين، والأمر ببناء المسجد الحرام وتولى بعده ولده السلطان مراد تاريخ جلوسه.
بالبخت فوق التخت أصبح جالسا
ملك به رحم الإله عباده
وبه سرير الملك سر فأرخوا
حاز الزمان من السرور مراده
ا.ه. وهو من نظم الشاعر «مامية» الرومي
وفي زمان السلطان سليم الثاني نبغ من العلماء الشيخ محيي الدين المشتهر ب«حكم شلبي» وكان من الأطباء.
وعلاء الدين المنوغادي وكان من المدرسين الكبار وتولى قضاء بغداد.
والمولى شمس الدين أحمد بن أخي القراماني، وكان أيضا مدرسا ثم تولى قضاء المدينة المنورة.
ويعقوب الشهير ب«جالق» وكان مدرسا أجيرا بإحدى المدارس الثمان ثم تولى قضاء بغداد.
وتاج الدين إبراهيم وقضى حياته في التدريس وكان في المدرسة التي بناها السلطان سليمان في دمشق.
ومحمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم، وأخذ عن أبي السعود المفتي، وعن كمال باشا زاده وتولى قضاء حلب ثم قضاء الشام ثم قضاء مصر، ثم صار قاضيا بالعسكر المنصور، ثم اختلف مع الوزير الكبير فاعتزل، وكان من الأجواد الكبار فوق علمه وفضله، ولما جمع المولى محيي الدين سباهي زاده حواشيه التي علقها على حاشية التجريد للسيد الشريف صدرها باسمه، فأعطاه مئة دينار، ويقال إنه حصل له من قضائه بالعسكر سبعون ألف دينار أنفقها كلها، ومات وعليه أربعة آلاف دينار. وكانت له مقالات على منوال مقامات الحريري وعلق حواشي على حاشية الدواني للتجريد وله شعر عربي بديع.
ومنهم السيد حسن بن سنان خدم المفتي أبا السعود ودرس في المدارس الشهيرة ثم تقلد قضاء حلب ثم انتقل إلى مكة وحمد أهل الحجاز قضاءه.
ومنهم مصلح الدين داود زاده وتنقل في المدارس حتى صار إلى إحدى المدارس الثمان، ثم إلى مدرسة سليم خان، ثم تقلد قضاء المدينة، ولما دخل الحرم الشريف أعتق مماليكه ومات بالمدينة ودفن بالبقيع.
ومنهم المولى محمود معلم الوزير الكبير محمد باشا، وتنقل في المدارس، ثم تولى قضاء القاهرة وحمد الناس قضاءه.
ومنهم مصلح الدين الشهير ب«معلم السلطان» جبانكير ابن السلطان سليمان وكان من العلماء العالمين.
ومنهم محيي الدين الشهير ب«ابن النجار» نشأ في أسكوب من الرومللي وتولي التدريس مدة طويلة ثم تولى قضاء بغداد، وكان فاضلا أديبا وله نظم بالتركي والعربي.
ومنهم عبد الرحمن المعروف بالدارزادة، كان مدرسا في ديموطقة ثم في القسطنطينية وتولى قضاء المدينة المنورة وقضاء حلب.