فهذا ما اخترنا نقله وجمعه من أخبار غارات العرب على فرنسة وإيطالية وسويسرة ممحصا ممخوضا معولا فيه على أوثق المصادر والله تعالى من وراء العلم هو المبدئ المعيد والأول والآخر.
فتح المسلمين لمالطة
قد كان أصل المحور الذي دارت عليه مباحث هذا الكتاب هو غزوات العرب في شمالي جبال البيرانه من فرنسة وإيطالية وسويسرة، ولكن الحديث شجون والتاريخ، إنما هو حديث عن حوادث يثير بعضها بعضا، وقلما تجد منها حادثة إلا وهي متعلقة بسابقة لها، ولذلك لم يكن حصر الكتاب ضمن الحدود التي ذكرناها، بل تعدى إلى موضوع غزو العرب لجزائر البحر الرومي مثل كورسيكة وسردانية وصقلية والأرض الكبيرة المقابلة لها التي يقال لها كالابرة، وتناول البحث أيضا جزيرة إقريطش التي يقال لها اليوم: كريد، فأما جزر الباليار فهذه تابعة للأندلس قديما وحديثا، ولذلك أبقينا الكلام عليها إلى الكتاب الذي ننوي وضعه على الأندلس، وقد هيأنا كثيرا من مواده، وإنما بقيت جزيرة في البحر المتوسط، فاتنا ذكر فتح المسلمين لها، مع كونها ذات ذكر شهير في التاريخ أكبر كثيرا من جرمها الجغرافي ألا وهي جزيرة مالطة، فأحببنا أن نذكر عنها خلاصة تاريخية في هذا الكتاب، فنقول:
يوجد أرخبيل يقال له: الأرخبيل المالطي مؤلف من جزيرة مالطة وأخواتها غوزو
Gozo
وكومينو
Comino
و كومينوتو
Cominotto
وفلفولا
Filfola
وصخور أخرى تحاذيها، جاء في الإنسيكلوبيدية الإسلامية المحررة بالإفرنسية أن هذه الجزر كانت في الأعصر القديمة مأهولة بطائفة من طوائف البحر المتوسط، لها آثار تدل عليها، محفوظة في مكان من مالطة يقال له: «الحجر القائم»
Hagiar kaim
وأول ما عرف التاريخ عنها هو أن الفينيقيين استعمروها قبل القرن العاشر قبل المسيح، واتخذوها قاعدة لسفنهم التجارية، قالت الإنسيكلوبيدية: ولم يتحقق كون اسم مالطة مشتقا من الفينيقية وإنما تحقق كون جزيرة غوزو أو غولوز
Gailos
معنى اسمها «سفينة تجارية مستديرة الشكل» وقد استولى القرطاجنيون على مالطة في القرن السابع قبل المسيح، وبقوا فيها أربعة أو خمسة قرون، ثم استولى عليها الرومانيون سنة 218 قبل الميلاد وبقيت نحوا من عشرة قرون في أيدي الرومانيين واليونانيين، وفي القرن الأول للمسيح تنصر أهل مالطة عن يد القديس بولس، ولما سقطت السلطنة الرومانية الغربية استولى عليها البيزنطيون، وكانت لهم مركزا ضروريا بعد استيلائهم على شمالي إفريقية.
وقد استولى المسلمون على مالطة سنة 256 للهجرة وفق 869 و870 مسيحية، ولكن هذا الاستيلاء هو الاستيلاء الثابت؛ لأن ابن الأثير يخبرنا أنه في سنة 221 أرسل إبراهيم بن الأغلب أسطولا لغزو الجزائر، والأرجح أن مراده بالجزائر هو الأرخبيل الذي من جملته مالطة، وقد كانت غزوات المسلمين لمالطة وصقلية في القرن الثامن للمسيح، وربما كانت مالطة دخلت في حوزة المسلمين قبل سنة 800 وكان مقام المسلمين بمالطة أطول وأثبت من مقامهم بصقلية، بدليل كون لغة مالطة عربية.
وقد اختلف العلماء في أصل اللهجة المالطية، فزعم بعضهم أنها من أصل فينيقي، وذهب آخرون إلى أنها لهجة عربية، وهذا رأي الجمهور، فاللغة المالطية عربية تشابه في كثير من الألفاظ لهجات العرب الشرقيين، وفي كثير منها العرب المغاربة وتكثر في لغة مالطة الإمالة، كما يكثر أيضا قلب الألف ياء، فيقولون: «يينا»، بدلا من أنا، ويقلبون القاف همزة، ويستعملون أحيانا نون الجمع المتكلم قبل المفرد، فيقولون مثلا: إنا نقول له. بدلا من: نحن نقول له، وهذا على نسق أهل المغرب وتختلف اللهجات في نفس مالطة بين المدينة والقرى، وبين مالطة وغوزو، ولا توجد الخاء والغين في مدينة مالطة المسماة «فاليت» وإنما توجد في جزيرة غوزو، ولم يتم البحث حتى الآن عن اللهجات المالطية حتى يعرف ما هو راجع منها إلى العربية الشرقية وما هو راجع إلى العربية الغربية، وقد أثرت الثقافة اللاتينية الإيطالية في اللغة المالطية، ودخلت ألفاظ كثيرة منها في لغة مالطة، ولم يكن للمالطيين حروف يكتبون بها إلى أن قام في القرن الثامن عشر رجل يقال له: «آجيوس سلدانيس» فاعتنى بالبحث عن لغة بلده، ومن ذاك الوقت أخذوا يكتبون لغتهم، واستعملوا الحروف العربية، ثم نهضت عصبة من المالطيين اسمها «عقدة تالكتيبة تالمطي» أي عصبة الكتاب المالطية ونشرت كتابا في نحو اللغة المالطية سمته «تعريف الكتب المالطية» وذلك في سنة 1924 وجاء في مقدمة هذا الكتاب ذكر أنواع الكتابة المالطية، ثم إن هذه العصبة نشرت مجلة اسمها المالطي في سنة 1925 وكان غرضها الأصلي إحياء اللغة المالطية العربية أو ما تعبر عنه بالمالطي الصافي.