ولقد قسمنا كتابنا هذا إلى أربعة أقسام: الأول: ما يتعلق بحملات العرب الزاحفين من الأندلس مخترقين جبال البيرانه
19
إلى أن طردهم «بيين» القصير من «ناربون» وكل «اللانغدوق» سنة 759 مسيحية. الثاني: ما يتعلق بغارات العرب برا وبحرا على «پروفانس» في نواحي 889. الثالث: ذكر توغل المسلمين من پروفانس إلى «دوفيني» و«سافواي» و«بييمونت» وسويسرة. الرابع: شكل هذه الغزوات والنتائج التي ترتبت عليها.
انتهى ملخصا كلام المستشرق الإفرنسي رينو في مقدمة كتابه.
ثم شرع رينو في سرد الوقائع فقال تحت عنوان: «القسم الأول في حملات العرب الأولى على فرنسة إلى عهد إخراجهم من أربونة واللانغدوق سنة 759 مسيحية».
لما وصف أحد مؤرخي العرب كيفية فتح أبناء ملته لإسبانية، روي عن محمد
صلى الله عليه وسلم
الكلمات الآتية: «زويت لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها».
20
وقد كاد يكون هذا هو الواقع، وجاء زمن ظن الناس فيه أن جميع الربع العامر سيعنو لراية النبي
صلى الله عليه وسلم ، فإنه ما مضت سنوات قلائل حتى ضرب الإسلام بجرانه على العراق وفارس والشام ومصر وإفريقية إلى سيف الأوقيانوس الأطلنتيكي ، ثم من إفريقية أغار العرب على إسبانية وما زالوا يجوسون خلال البلاد إلى أن بلغوا فرنسة، وصارت جميع قارة أوربة تحت خطر استيلائهم، ثم من الجهة الأخرى تجاوزوا سيحون وجيحون وما زالوا يفتحون البلدان حتى ظن أنه لن يقف في وجههم شيء إلا أن كان من الحدود الطبيعية التي للكرة الأرضية.
وكان مركز هذه السلطنة التي لا نهاية لها هو في سورية بمدينة دمشق القديمة، وكانت الرئاسة الروحية والدنيوية في الخلفاء بني أمية. وكان الخليفة يومئذ هو الوليد.
21
وكان العرب قد وجدوا في إفريقية أمة تسكن جبال الأطلس اسمها البربر اشتهرت بصعوبة المراس، وبحب الحرية والاستقلال، وقاتلت القرطاجنيين والرومانيين من دونهما، وكان بعض هؤلاء البربر يهودا وبعضهم نصارى وبعضهم وثنيين، وكان لهؤلاء البربر لسان خاص بهم، ومنهم من كان يتكلم بلغة تقرب من العربي والعبري والفينيقي
22
فسواء كان هؤلاء البربر بقايا شعوب جاءت من أرض كنعان وفينيقية
23
أو كانوا قد رحلوا من اليمن فرارا من وجه الأحابيش الذين كانوا قد استولوا على بلاد اليمن
24
فهذا التشابه في اللغة كان عاملا كبيرا في استقرار دولة العرب في إفريقية، وأعان البربر العرب في فتوحاتهم ومغازيهم، وأضف إلى ذلك كون العرب والبربر متشابهين أيضا في البداوة، وسكنى الوبر، وشظف العيش، وطلب النجعة، وحب القتال، وشن الغارات.
| هوامش
الفصل الأول
| حملات العرب الأولى على فرنسة إلى عهد إخراجهم من أربونة واللانغدوق سنة 759 مسيحية
خبر موسى بن نصير وطارق بن زياد
فما رسخت أقدام العرب في إفريقية حتى فكروا في عبور بحر الزقاق الفاصل بين إفريقية وأوربة، وكان ذلك سنة 710م وأمير إفريقية من قبل الخليفة هو موسى بن نصير من أهل الحجاز، ولد في زمان عمر بن الخطاب ورضع مع اللبن الغرام بالغزو حبا في نشر عقيدة التوحيد.
1
وكان عمره يوم قام بهذه الغزوات ثمانين سنة، ولكن كانت فيه همة الشبان تتوقد نارها لم يفتر منها شيء، وكانت إسبانيا تحت حكم القوط وكان الأمير عليها لذريق.
2
وكان يتبعها من أرض فرنسة مقاطعة «روسيون»
3
وقسم من «اللانغدوق»
4
من (بروفنس)
5
وكانت في إسبانية حواضر حافلة بالعمران زاهرة، إلا أن روح الانتقاض كان كامنا في النفوس، وفساد الأخلاق كان قد تغلغل في جسم الأمة، فلم يكن عجبا أن تسقط مملكة كهذه ولو عظيمة في ظاهرها بيد عدد قليل من المتدينين الأحامس الذين يسوقهم إلى الحرب حب الغنائم، فضلا عما يعتقدونه من أنهم مرسلون من الله لهداية البشر.
فجرب موسى التجربة الأولى ببعض برابر أجازهم إلى طريفة