تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إنه في جميع البلاد التي احتلها العرب طويلا أو قصيرا كانت بقيت لهم آثار وسرت عنهم أخبار، فهنا كنت ترى قلعة كانوا يعتصمون بها عندما يجتاحون تلك الأرض، وهناك كانت مخاضة نهر أو قنطرة كانوا يأخذون عندها رسما على المارين، وهنالك كهف في واد كانوا يضعون فيه الغنائم، وعلى تلك الجبال أبراج متناوحة كانوا يتبادلون منها الإشارات النارية لأجل توحيد حركاتهم، وهلم جرا، فالآثار والأخبار التي لا ترتكز على دليل وثيق من ذلك العصر نفسه لم نتعرض لها.

ومثل ذلك فعلنا بالقصص التي قصها الرواة الذين لم يعاصروا تلك الحوادث، والتى هي أقرب إلى أن تكون من عمل خيالات القصاص المولعين بأخبار الحماسة والمغرمين بأحاديث المجد والرئاسة، ففي القصص التي ترويها الرواة عندنا أغلاط كثيرة؛ منها ما وقع فيه بعض مؤرخي ذلك الوقت مثل تلقيبهم المسلمين «السارازين» بلفظة «بايين»

Payens

أي: وثنيين، وذلك أن المسيحيين كان من عادتهم أن يسموا جميع الأمم السالفة للنصرانية «وثنيين» وجميع الأمم التي حاربها الإفرنسيس وثنيين، ومن جملة هؤلاء حسبوا المسلمين! ولهذا فقد عزوا إلى هؤلاء آثارا ومباني وهياكل كانت في الحقيقة هي من عمل غيرهم، وليسوا منها في قبيل ولا دبير.

وكذلك لما كانت شهرة شارلمان قد غلبت شهرة الجميع فإن القصاص نسبوا إلى أيامه حوادث وقعت من قبله، وحوادث أخرى وقعت من بعده، فالوقائع التي جرت في زمان شارل مارتل جعلوها في زمان شارلمان، وما زالوا ينسبون إلى أيام شارلمان غزوات جميع الإفرنج في بلاد المسلمين إلى القرن العاشر بل إلى آخر القرن الحادي عشر أي الزمن الذي استصرخ فيه مسلمو الأندلس يوسف بن تاشفين ملك المرابطين، فتأمل.

ومن هذا النمط تعمد بعض القصاص والزجالين أن ينحلوا أجداد ممدوحيهم فضل تحرير البلاد وطرد الأعداء، وذلك مثل قصيدة غيليوم ذي الأنف الأصلم الذي ينسب إليه الشاعر إجلاء العرب عن تولوز ونيم وأورانج وغيرها من مدن فرنسة.

ثم إنه كان المجار قد جاءوا من شرقي أوربة وعاثوا في نواحي فرنسة، فاختلط على الناس ما عاثه المجار بما عاثه العرب، بحيث كثيرا ما كان أولئك القصاص يسمون المجار «سارازين» ويسمون الفاندال «سارازين»، وممن قال بذلك الأب «لوكوانت»

P. Lecointe

مؤلف التاريخ الإكليريكي في فرنسة والدون «مابيون»

Mabillon

والأب «باجي»

Pagi

والدون «فاسيت»

Vaissette

والدون «بوكه»

Bouquet

والحقيقة أنه لم يوجد دليل واحد من رواية مرجعها إلى القرن الثامن يدل على كون الفاندال اجتاحوا فرنسة في ذلك العصر، وقد يقال: إن هذه الأقاويل وردت في تواريخ القديس «دنيس»

Saint-Denis

الشهيرة التي هي الحجة الكبرى عند آبائنا، ولكن تواريخ القديس كتبت في أواسط القرن الثاني عشر، وقد حشر فيها كاتبوها كل الأساطير التي كانت تدور في ذلك الوقت، ولم يزل التاريخ لم يمحص ولم ينفصل عن الأقاصيص إلى القرن السابع عشر.

ولنعد إلى موضوع كتابنا هذا فنقول: ليست المسألة مسألة اجتياح بعض مقاطعات محدودة بل قد بقي جانب كبير من فرنسة ميدانا لجيوش العرب مدة طويلة، ثم تجاوزوا منها إلى «سافواي» و«بيمونت» و«سويسرة» واحتلوا أمنع الحصون من قلب أوربة، وذلك من خليج «سان تروبيس» إلى بحيرة «كونستانزة» ومن نهر الرون وجبل «جورا» إلى سهول جبل «فرات» و«لومبارديه»، ومما لا جدال فيه أن تذكار الغزوات العربية في هذه الديار لم يكن بدون تأثير في الحملات الصليبية وفي هذه الحركة العامة التي اندرأت بها أوربة على آسية وإفريقية، ووضعت أصحاب الإنجيل في وجه أصحاب القرآن مدة قرون مستطيلة.

لقد فسحنا بهذا الكتاب مجالا للباحثين في هذا الموضوع بحيث يمكن من يأتي بعدنا أن يأتوا بمعلومات جديدة عنه، ولما كانت الشقة بعيدة بين زمن هذه الوقائع والزمان الحاضر فقد بقيت في كتابنا مواضع كثير مفتقرة إلى الجلاء، ومع هذا فإن كنا قد قدرنا أن نلقي بعض الشعاع على هذا القسم الذي هو أغمض قسم من تاريخ فرنسة، فلا يكون ذهب عناؤنا سدى.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٨