6
فعاثوا ونهبوا ولم يصادفوا مقاوما فاشتد بذلك عزم موسى. وفي السنة التالية (711) جرد تجريدة جديدة اثني عشر ألف مقاتل كان أكثرهم من البربر عقد عليهم لطارق بن زياد، فهزم طارق بهذا الجيش الصغير جيش القوط كله، واحتز رأس لذريق وبعث به إلى الخليفة
7
في دمشق. وفي أقل من سنة تم لطارق فتح قرطبة ومالقة وطليطلة، وقد روى أحد مؤرخي العرب أنه لأجل أن يلقي الرعب في القلوب أمر مرة بقتل بعض الأسرى الذين وقعوا في يده، وجعل من لحومهم شواء أطعم منه عسكره. وطارق بن زياد
8
هو الذي سمي باسمه هذا الصخر المسمى بجبل طارق، فالمسلمون المؤمنون كانوا يرون هذا الجهاد مما يزيد سواد المسلمين ويضمن لهم الجنة، والمسلمون الذين لم يكونوا يفكرون في أمر الآخرة قد رأوا في الأندلس قطرا خصيبا فياضا بالخيرات، فيه كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. فاجتمعت إذن في هذا الفتح مقاصد الدنيا والآخرة، وانتظم فيه الاحتساب مع الاكتساب، ومما لا نزاع فيه أنه قد كان من أهم أسباب فوز طارق في الأندلس عضد اليهود الذين كانوا كثيرين في إسبانية، وكان المسيحيون يغلظون في معاملتهم ويعدون عليهم أنفاسهم فلما أقبل العرب وجدوا فيهم إخوانا يأخذون بثأرهم
9
وينفسون من خناقهم.
فلما بلغ موسى بن نصير ما فتحه الله على يد طارق هاج أشد هياج للأخذ بنصيبه من هذا الفتح، وأقبل بجيش من العرب والبربر
10
ومعه واحد من أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم
عمره مائة سنة وكثير من أبناء الصحابة.
11
وقد انتحى موسى طريقا غير الطريق التي سلكها مولاه طارق، وفتح بلدانا أخرى مثل ماردة
12
وسرقسطة
13
وكان أكثر جنده من الفرسان، وكانت تتبع كل كوكبة من فرسانه طائفة من حملة الأرزاق بالبغال، وإن مؤرخي العرب متفقون على أن موسى بن نصير وصل بغزواته إلى فرنسة، وأنه في «ناربون»
14
وجد في إحدى الكنائس سبعة تماثيل فضية منقوشة، وكذلك في قرقشونة عرضت لمطامعه في كنيسة «سانت ماري» سبعة أعمدة كبار هائلة من الفضة.
15
وكان العرب يطلقون على فرنسة اسم «الأرض الكبيرة» ويعنون بها جميع الأرض الواقعة بين جبال البيرانه (التي يقول لها العرب: البرانس) وجبال الألب والأوقيانوس ونهر البا ومملكة الروم، وهذه البلاد تنطبق في الحقيقة على فرنسة في زمن شارل مارتل
16
وابنه ببين
17
ولا سيما في زمان شارلمان.
18
وكانت الأمم التي في هذه المملكة تتكلم بعدة لغات كما يقول مؤرخو العرب.
وقد كان أشد ما بهت له المسيحيون أوانئذ أنهم كانوا يرون أعداءهم هؤلاء في كل مكان وفي وقت واحد، وكانت طريقتهم في الفتح أنه إذا خضع لهم بلد بدون قتال لم يعتدوا على سكانه في مالهم ولا في دينهم، وإنما كانوا يحولون جانبا من الكنائس إلى جوامع ويغنمون ما فيها من النفائس، ويضعون أيديهم على الأراضي التي نزح أهلها وعلى الخيل والأعتدة التي كانت ضرورية لهم في تلك الغزوات المتواصلة، وكانت الجزية التي يضربونها على الأهالي متفاوتة بحسب الأحوال، وربما أخذوا من الأهالي رهائن ليستوثقوا منهم، فأما البلاد التي لم تخضع لهم إلا بالسيف فقد كانت عرضة لجميع المظالم التي تصحب الفتوحات، وكان يضرب عليها ضعف جزية البلاد الخاضعة بلا قتال، وكانوا يتركون فيها حامية لحفظها، وربما جعلوا في هذه الحامية بعض اليهود الذين كانت عداوتهم للمسيحيين أضمن سبب للثقة بهم.
وقد ذكر مؤرخو العرب في عرض الكلام على الفتوحات العربية في فرنسة أنه قد كان مقصد موسى بن نصير رحمه الله المعاد إلى دمشق حضرة الخلافة عن طريق ألمانيا مارا بالقسطنطينية وبآسية الصغرى، بحيث يصبح البحر المتوسط كله عبارة عن بحر متوسط للمملكة الإسلامية، يخدم مواصلات بعضها مع بعض، أما مؤرخو المسيحيين فلم يذكروا شيئا عن دخول موسى إلى أرض فرنسة، ولعل زحفة موسى عليها كانت قاصرة على غارات سريعة مر بها كخطفة البازي ورجع. ومما لا مشاحة فيه أن النصرانية كانت يومئذ تحت أشد الأخطار، وأن الإنسان ليرتجف رعبا عندما يفكر فيما كان يمكن أن يحل بأوربة لو لم يقع الخلف من أول الأمر بين العرب الغالبين» أ.ه كلام رينو ملخصا.