تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع عمها المطران «أولريك» أسقف «أوغسبورغ» والتجائهما إلى البرج الذي كانت بنته هي في «نوشاتل» والمظنون أن هذا الحادث كان مبدأ لعمران مقاطعة «فو».

24

ولم ترد قصة العرب هذه في التواريخ العالية فقط بل جاءت في سيرة بعض القديسين، وبالإجمال قد كانت اشتدت وطأتهم، وعم الرعب منهم، إلى أن أصبح الجميع في حنق شديد عليهم، ومما زاد حنق الناس عليهم أنهم كانوا تعرضوا لرجل من أكبر رجال عصره، وهو القديس مايولوس “Majolus”

راهب دير كلوني “Cluny”

قبضوا عليه وهو عائد من «بافيا» إلى بورغوند، وذلك سنة 972 وقد روى هذه القصة خلفه في رئاسة دير كلوني كما يأتي:

عبر القديس مايولوس ورفاقه في 22 يوليو سنة 973 قنن جبال الألب، ووصلوا إلى قرية واقعة إلى الشمال من معبر سان برنار على ضفة نهر درانس “Drance”

كان يقال لها لذلك العهد «بونس أورزاريي

Pons Ursarii » وتسمى اليوم «أورزيير»

25

وقد كان انضم إليه عدد من الحجاج من أقطار مختلفة أملا بأن يكونوا بمعيته في مأمن، فلما وصلت هذه القافلة إلى هذه القرية ومرت هناك من معبر ضيق، انقضت عليها عصابة من العرب فأوقعت بها، ولم يكن من سبيل في ذلك المكان للدفاع، فأركنت إلى الفرار لا تلوي على شيء، فتأثرها العرب وقبضوا على من أدركوه منها وأوثقوه بالقيود، وكان أحد العرب يحاول طعن أحد خدمة القديس بمزراقه إذ تقدم القديس واتقى الطعنة بكفه، فنفذت الطعنة منها، وكانت جراحة شديدة بقي أثرها في يده طول حياته، وأما الخادم ففر ناجيا، ثم جردت هذه العصابة العربية الحجاج من كل ما معهم، وساقتهم إلى كهف من الصخر حبستهم فيه، ولم تستثن من الحبس القديس مايولوس، فلحظ العرب رجلا جالسا على حجر لا يلوح على وجهه علامة الاهتمام بالخلاص، وبينما كانوا يهينونه كان هو مهتما بدعوتهم إلى الديانة المسيحية، فازداد بذلك غضبهم منه، فقيدوا رجليه بالحديد، وأدخلوه الكهف مع الآخرين، وفي الليلة التالية رأى مايولوس رؤيا أنه سيخلص من أيدي العرب، بواسطة الرسل الحواريين، فقد رأى أسقف رومة بالأثواب الحبرية وفي يده المبخرة، ثم رأى رؤيا ثانية أيدت أمله في أنه سيحتفل هو ورفاقه بعيد صعود السيدة مريم، ولما أصبح الصباح وجاء وقت الطعام عرض العرب عليه أن يطعم من طعامهم، وكانوا يأكلون لحما وخبزا يابسا، فأجابهم مايوليوس أنه ليس بآكل من هذا الطعام الذي لم يألفه فحينئذ عجنوا له بسرعة وخبزوا خبزا نظيفا طريا، وقدموه له فتناوله منهم وأكل الخبز بعد أن بارك عليه بحسب عادته، وعادت إليه قوته، وكان أحد المسلمين قد أراد قطع عصا من شجرة واحتاج إلى أن يتسلق عليها، فوضع رجله على التوراة التي كان القديس يحملها دائما معه في أسفاره، فأخذ القديس يتنفس الصعداء، ولحظ ذلك المسلمون فوبخوا أخاهم على عمله هذا، وقالوا له: لا يليق أن تفعل هذا بكتاب يتضمن كلام الأنبياء، وذلك أن المسلمين يعظمون الأنبياء ويقولون: إن ما قاله الأنبياء عن عيسى قد تم بشخص محمد

صلى الله عليه وسلم .

ثم إن العصابة العربية دخلت مع القديس في قضية فدائه وفداء بقية الأسرى، لا سيما بعد أن رأوا منه ما استوجب حرمتهم له، وقد سألوه أهو من ذوي اليسار، أم معدم؟ فأجابهم بأنه لا يملك شيئا ولكن للدير أصحاب يقدرون أن يفكوا الأسرى بأموالهم، فأرسل مايولوس بالاتفاق مع العرب راهبا كان معه، وأصحبه بكتاب إلى دير «كلوني» يقول فيه: «إلى السادة والإخوان في دير كلوني، من مايولوس المسكين المقيد بالحديد، إنني محاط بالهلاك من كل ناحية فأسرعوا بإنقاذي وإنقاذ رفاقي وبإرسال المال اللازم للفداء» فلما قرئ هذا الكتاب في مجتمع الرهبان، وكانوا يحبونه جميعا ويحترمونه احتراما زائدا، بلغ منهم الحزن مبلغه وسارعوا إلى جمع المال لساعتهم، ولم يضنوا بشيء ولا ادخروا منفسا حتى أنهم بذلوا الأشياء الضرورية فضلا عن الكمالية وعن الذخائر والأعلاق التي كانت عندهم، وفي اليوم المعين كان أحد الرهبان المبجلين في قرية «أورزيير» ومعه جميع المال المطلوب، فتخلص مايولوس هو ومن معه، وتمتعوا بفرح الاحتفال بعيد صعود مريم إلى السماء كما كان رأي القديس في المنام.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٨٦