ومما لا ينقدح فيه أدنى عارض من شك أن جانبا من سويسرة الألمانية وهو القسم الذي من «كور» إلى وادي «الرين» كان المسلمون قد اكتسحوه. وليس هذا القسم سوى جبال الألب الراتية
Ratische
العليا فإن ثبت هذا الرأي فقد ترتب عليه إما أن تكون غارة العرب على مقاطعة «فاليس
Wallis » قبل سنة 939 أو أن يكون احتلالهم لجبال الألب الراتية سبق احتلالهم لجبال الألب البونينية، وليس من المحقق ما ذهب إليه فلودوارد من أن احتلال العرب لمعابر الألب سنة 936 أو سنة 933 يعني به احتلالهم جبال الألب الراتية، وإنما المحقق كون «كور» ونواحيها قد اجتاحها العرب قبل سنة 940 وأنه ليكون ذا بال أن تتمكن من معرفة الطريق التي سلكها العرب عندما تبطنوا أحشاء هذه البلاد، هل جاءوا من البيامون منقسمين شطرين، شطر منهم اتبع جبال الألب الشرقية، والشطر الآخر اتبع جبال الألب الغربية من سويسرة؟ الجواب: ليس بمستحيل أن يكونوا قصدوا ناحية «راتين» وبلغوها برغم قلة عددهم، معتمدين على بسالتهم والرعب الذي وقع في قلوب الناس منهم، ففتحوا طريقا لأنفسهم على ضفاف بحيرات لانغن “Langen”
وكومر “Comer”
وعرفوا مسالك الألب.
13
إن تاريخ إيطالية العليا لا يذكر هذه الحوادث ولكن قد افترضنا أن العرب تقدموا من مارتيناخ “Martinach”
خارجا عن مجرى نهر الرون وتتبعوا ناحية فوركا “Furka”
والألب العليا اللتين يفصل بينهما وادي أورزيرن “Urseren”
وساروا على الطرق القديمة المؤدية إلى منابع الرين وأبواب معبر الألب الراتية، وهذا الافتراض لا يستند على رواية مكتوبة وليس فيما وجد في دير ديسنتيس “Dissentis”
الواقع أمام وادي الرين ما يؤيد مرور أتباع محمد من هناك، إلا أن المؤرخين لا يزالون يعتقدون أن العرب كما عاثوا بنواحي «كور» ونهبوا ديرها قد اجتاحوا أيضا دير «ديسنتيس».
وأما السند الذي ثبت به حضور العرب في وادي الرين فهو أن هرمان أمير سويسرة الألمانية قد التمس من أوتو الكبير في المجلس الذي عقده الإمبراطور في كويد لنبورغ
Quedlinburg
في شهر أبريل سنة 940 أن يهب فالتو “Walto”
أسقف كور تعويضا عما لحقه من اجتياح العرب لديره، وأن الإمبراطور قد أجاب رجاءه فعهد إلى الأسقف المذكور بإدارة كنيستين إحداهما كنيسة «بلودنس»
Pludenz
في وادي «دروس»
Drusthale
والثانية كنيسة سان مارتين في وادي شامزر
Schamserthale
على شرط أن ريع الأولى يعود إلى أساقفة كور وأن ريع الثانية يعود إلى دير الراهبات في «كازيس».
وظاهر أن العيث الذي عاثه العرب قد كان طويل الأمد، وأنه وقع منذ سنة 939 وأن احتلالهم للألب الراتية كان في زمن احتلالهم للألب البونينية، وأن هذا الحادث تقدم إحراق العرب لدير سان موريس الذي يذهب رينو إلى أنه وقع عند عبور العرب من سان برنار.
ولكن في قولنا: إنهم عاثوا واكتسحوا تلك البلاد، لا نعني أنهم أقاموا بها مستقرين في مكان، بل كانوا يكمنون في الجبال وينقضون من مكامنهم لدى الفرصة فلم تكن لهم قدم ثابتة في محل، وكانت حياتهم حياة عصابة تنتجع في كل يوم جبلا متى لاحت أمامها بارقة أمل في الكسب أقدمت، وإلا أحجمت، فكان مطمح نظرهم كله قطع الطرق على التجار وعلى الحجاج الذين كانوا يقصدون رومة ومعهم الأموال والذخائر، ومما لا شك فيه أنهم كانوا قد احتلوا بعض قرى صغيرة، واتخذوها لهم مركزا، وكانت لهم أنزال يلجأون إليها وأبراج يضعون فيها مغانمهم، وأكثر ما كانوا يهجمون على القوافل في الأودية العميقة وفي المضايق التي لا يمكن فيها الدفاع، وكانوا متى أعوزهم القوت صالوا على الأماكن غير الحصينة وعلى الأديار المملوءة بالأعلاق الكنسية.
وبقيت حالتهم على ما وصفناه مدة مديدة، إلا أنه بعد دخولهم إلى البلاد باثنتي عشرة سنة طرأ حادث فجائي وافق مصلحتهم، ومكنهم من معابر جبال الألب، فازدادت بهم جرأتهم وتضاعف طمعهم.