وقد أسعف غارة العرب هذه ما كان بين أهل بلاد بروفانس، من الشقاق البعيد، وقيام بعضهم ضد بعض، فكان بعضهم لأجل أن يستأصل البعض الآخر يستنجد هؤلاء العرب العفارية المكارين، فكان من اختلاف أهالي تلك البلاد، ومن توالي النجدات إلى العرب من إسبانية، أن أصبح هؤلاء آمنين في سربهم، وشرعوا يجولون ويسلبون ويقتلون كيفما شاءوا، وكيفما لاح لهم الصيد، واجتاحوا تلك البلاد الخصيبة اجتياحا تاما وأصابوا فيها مغانم كثيرة.
هذه هي الرواية الحرفية لمؤرخ معاصر
2
عن نزول المسلمين في سواحل بروفانس وعن طبيعة جبل «فراكسيناتوم» وكيفية تحصينهم له، بحيث بقي مدة سنين طوال مركزا لقوتهم في هذا الجانب من أوربة وصيصية يمتنعون بها ويبعثون منها شراذم كثيرة أو قليلة إلى الجنوب، وإلى الشرق من جبال الألب البحرية، وما عتموا أن صارت لهم شوكة يتحدث الناس بها، برعب الناس منهم، وباعتمادهم هم على أنفسهم، وكانت لهم غزوات بعيدة المغار، لأجل الغنائم، فإذا لم يجدوا أمامهم من يقرع النبع بالنبع نهبوا تلك الأديار الغنية والمدن المحصنة والمعاقل التي كان يسكنها أشراف البلاد، وتركوها قاعا صفصفا كأن لم تغن بالأمس.
والذى يظهر جليا من روايات مؤرخي ذلك العصر أن هذه الغارة لم تكن ذات مغزى سياسي كغيرها من الغارات، ولا كان لها غرض راجع إلى توسيع ممالك الدولة الإسلامية الأندلسية، ولم يكن مقصد هذه العصابة إخضاع أهالي هاتيك البلدان لسلطانها. وذلك لأن عددها لم يكن كافيا لتحقيق دعوى كهذه، وقصارى ما كانت ترمي إليه أن تحوز الذهب والكنوز التي تعثر عليها، وتعود بها إلى معقلها في جبل فراكسيناتوم، وأنها إذا وجدت طالع الحرب قد خانها تشحنها في السفن الراسية في خليج فركسيناتوم وتطوير بها بجناح الريح قافلة إلى إسبانية، وكذلك يظهر أن خليفة إسبانية لم يكن ذا علاقة بهذه العصابة التي تطوحت في ذلك الفج السحيق ولا أتاها أدنى مدد من جهته.
3
وأما السؤال عن الوقت الذي اجتاز فيه المسلمون جبال الألب، وتوغلوا في أرض إيطالية، فإنه لا يجد جوابا مستندا على معلومات دقيقة ويجب أن يكون هذا الحادث قد وقع على كل حال في أوائل القرن العاشر، فقد دلنا محرر المذكرات اليومية لدير «نوفاليز»
Novalese
الذي على مقربة من «سوزا»
Susa
بحذاء جبل «سنيس»
Senis
على أن غارة المسلمين كانت في نواحي سنة 906، فمنذ تلك السنة كانوا في «بروفانس» و«بورغوند»
Burgund
و«شيمله»
Cimella
حول «نيسه»
Nizza
يجولون ويقتلون ويحرقون، ومن المحقق أنهم في هذه السنة كانوا يتوقلون في جبل سنيس وكانوا قد فتحوا الباب نحو بلاد سافواي وسويسرة، وفي أسفل هذا الجبل كان دير نوفاليزه الذي كان من أعظم الأديار وأغناها، فلما سمع الرهبان بلصوصية هؤلاء القوم وبقسوتهم، وكانوا يعرفون جيدا ما وراءهم حزموا ما في الدير من الأشياء الثمينة ومن جملتها خزانة النفيسة وذهبوا بها إلى تورين لتكون بمأمن. فما كادوا يفارقون الدير حتى جاء المسلمون واكتسحوا كل شيء وأحرقوا الكنيسة والبناء كله، وكان راهبان طاعنان في السن قد بقيا في الدير لأجل حراسته فقبضوا عليهما وأهانوهما.
4
وفي ذلك العهد أصبحت البلاد الواقعة بين نهري «بو»
Po
و«الرون» مجالا للغارات والعيث، فالبييمون وبروفانس وبلاد «دوفيني»
Dauphiné
و«مونتفرات»
Montferrat
وبلاد «تارنتيزة»
Tarentaise
كانت كل سنة عرضة للدمار والنار، وقد حدث مدونو الوقائع اليومية في ذلك العصر عن حوادث ترعد لها الفرائص، مما فعله هؤلاء العرب ورووا كيف كانوا يهجمون على التجار والزوار عابري السبيل، ويسلبونهم ما معهم وإذا حاولوا الدفاع عن أنفسهم يقتلونهم.
5
وكان أكابر القوم لا سيما الرؤساء الروحيون الذين يؤمون رومة واقعين تحت الخطر الشديد من غارات العرب، بسبب ما يحملون من الذخائر وما يستصحبون من الأعلاق النفيسة، وأما في القرى فلم يكونوا يقتصرون في النهب على الخيل والمواشي، بل كانوا ينهبون كل ما له قيمة، ويقبضون على الرجال والنساء والأطفال ويبيعونهم في سوق الرقيق، وكانوا إذا رأوا مقاومة من بعض البلاد وطاح منهم أناس في المعركة، انتقموا لأنفسهم بإحراق هاتيك المدن حتى يصيروها رمادا، وكانت تنقطع العلاقات والمواصلات أحيانا بين البلاد بسبب غارات العرب وكان أهالي الأماكن التي يهاجمها المسلمون يفرون ويلجأون إلى الجبال والغابات، وربما قاوموا العرب وربما كانت لهم الغلبة عليهم، إلا أنهم لم يكونوا يقومون عليهم بصورة نفير عام ولا كان ينتدب لهم يومئذ أدلاء مستبسلون، وأشنع شيء كان هو عدم الوئام بين أهالي البلاد، بسبب عداوة الأمراء بعضهم لبعض، واستنجادهم في حروبهم الداخلية بهؤلاء الأعداء، وكان من الطبيعي أن يوجه العرب كل همتهم إلى الاستيلاء إلى الطرق العامة، وبنوع خاص على معابر جبال الألب، لأنهم كانوا يرون في ذلك أحسن طريقة للكسب والسلب، فكانت المتاجر والبضائع تقع هناك تحت أيديهم على طرف الثمام وكان المسافرون الأغنياء يأخذون معهم في أسفارهم كل ما يلزم لهم، فكان في ذلك مطمع عظيم للمسلمين، وكانوا في تلك الطرق الجبلية يتمكنون من استقبال السابلين بالسهام والحجارة، ومن إلقائهم في الأودية والمهاوي بحيث إنهم بعدد غير كبير كانوا يقدرون على ما لا تقدر عليه الجيوش الكبيرة.