تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالجملة فقد كان العرب لذلك العهد، هم الأمثلة العليا والأقيسة البعيدة، في الشجاعة والشهامة وعزة النفس ومكارم الأخلاق والعفو عند المقدرة وقرى الضيف، تشهد بذلك وقائع ونوادر كثيرة، منها ما رواه بعض مؤرخي الإسبانيول من أنه في سنة 890 أراد ملك أشتورية، أذفونش الكبير، أن ينتدب مؤدبا لابنه وولي عهده فاستدعى اثنين من مسلمي قرطبة، حرصا على تهذيبه؛ إذ لم يجد في المسيحيين إذ ذاك كفؤا لهذه المهمة.

ومن الغريب أنه في قصة من قصص الفروسية المتعلقة بشارلمان الكبير يروون أنه في صغره ذهب واقتبس من أنوار العرب، وأنه من تأثير ذلك تمكن من إدارة تلك السلطنة العظيمة التي جدد بها مجد العالم الغربي، وقد بقيت هذه الأقاصيص هي المعول عليها في الأندية والمجامع، وهي الفكاهة المستطرفة في المواسم والمحافل إلى عهد غير بعيد، ولم يدخل التمحيص التاريخي عندنا إلا منذ مائة وخمسين سنة؛ إذ أخذ الناس ينبذون ما هو من عمل الخيال إلى ما هو من لباب الوقائع الراهنة.

وختام القول: إنه لو نشر موسى بن نصير وطارق بن زياد وعبد الرحمن الناصر والمنصور بن أبي عامر، ورأوا ما هي عليه الحالة في زماننا هذا، لوجدوا اختلافا كثيرا في بيئتي المسيحيين والمسلمين، عما كانتا عليه في الأعصر السالفة. ولكن مما لا شك فيه أنهم بعد الوهلة الأولى كانوا يبتهجون بالمكانة العليا التي جعلها القصاص والزجالون من آبائنا لأعمالهم الكبيرة، وكانت نفوسهم المشغوفة بمعالي الأمور تقابل بمزيد الإكبار ذلك الشعور النبيل الذي كان يختلج عند من نسميهم البرابرة من آبائنا والذي لا يزال يتلاشى يوما فيوما.

انتهى كتاب رينو ببعض اختصار وتصرف.

| هوامش

| كتاب غارة العرب على سويسرة في أواسط القرن العاشر

تأليف الدكتور فرديناند كلر

Der einfall der Sarazenenen in die Schweiz.

um die mitte des X Jahremderts.

Von dr Ferdinand Keller.

Mittheilungen der antiquarischen.

Gesellsehaft in Zurich.

وهو كتاب بالألمانية، نشرته شركة «الآثار العتيقة» في زوريخ، في سنة 1856 وقد أطلعنا عليه العلامة الأستاذ «البروفسور هس» مدرس التاريخ والألسن الشرقية في جامعة زوريخ من سويسرة، وذلك في سنة 1919 وهو أول كتاب اطلعنا عليه في هذا الموضوع، فلخصناه يومئذ، ونشرنا خلاصته في مجلة المنار لصاحبها الأستاذ العلامة السيد رشيد رضا، ثم إننا رأينا نقل هذا الكتاب برمته إلى العربية في كتابنا هذا، ولم نختصر منه إلا في المظان التي ليس فيها طائل.

قال فرديناند كلر في كتابه:

قال ليوبراند (Liuprand) : إنه بحسب إرادة الله التي لا يدرك سرها، قد جرى في سنة 891 أنه جاء عشرون عربيا في مركب صغير من سواحل إسبانية، قذف بهم الريح بالرغم منهم نحو خليج القديس تروبز

St Tropez

في بروفانس

Provence . فنزلوا إلى البر هناك، على عادة لصوص البحر، وكان نزولهم في جوف الليل فتسللوا إلى قرية «تروبز» وفتكوا بأهلها المسيحيين، وملكوا الناحية، ثم اتخذوا معقلا الجبل المسمى موروس

Maurus

ليكونوا في حرز حريز من عادية الأمم المجاورة، وكان ذلك الجبل مغطى بالأشجار الشائكة التي كانوا يحتمون بأشواكها وألفافها، ولم يجعلوا فيها سوى شعب واحد لأنفسهم يمرون فيه، وهذا المكان يسمى فراكسينيتوم

Fraxinétum

1

يحده البحر من جهة ومن جهة أخرى غابة مؤتشبة مشتبكة الأغصان، من نشب فيها نفذت فيه أشواك أحد من الحراب فلا يقدر أن يتقدم ولا أن يعود، فأمنوا في هذا المكان المنيع وصار لهم سربا وصاروا يجولون في الجهات المجاورة بدون وجل، واثقين بمكمنهم هذا، ثم أنفذوا رسولا إلى إسبانية لأجل أن يندب الناس من قومهم، ليلتحقوا بهم، فمدح الرسول المكان وأطمع الناس فيه، وقال: إن أهالي تلك البلاد لا يخشى بأسهم وليسوا بجمرة قوية فلم يلبث إلا قليلا حتى رجع ومعه مائة رجل من العرب، جاءوا ليتحققوا ما ذكره لهم الرسول عن هذا الموقع وطيب نجعته.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٨٠