تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إنه كما لا يخفى في زمن الملك هنري الرابع هاجر من إسبانية إلى فرنسة عدد كبير، نحو من مائة وخمسين ألف نسمة من مسلمي الأندلس، فرارا من تضييق فليب الثالث ملك إسبانية الذي منع أن يجتمع في جزيرة الأندلس دينان، وأجبر بقية المسلمين فيها على التنصر بالنار والسيف، ولما وجد أن الكثرين منهم لا يزالون مسلمين باطنا، وأن لهم علاقات بالدولة العثمانية التي كانت في ذلك العصر ذات صولة عظيمة، أجمع أخيرا على طردهم من بلاده، فجاءوا إلى فرنسة ولكنهم لم يكونوا في فرنسة إلا عابري سبيل؛ لأنهم أبحروا من سواحل فرنسة إلى إفريقية والبلاد العثمانية ومن بقي منهم في فرنسة تنصر واندمج في مجموع الأمة كما أشار إلى ذلك شينيه

Chenier

في كتابه المباحث التاريخية عن المغاربة.

18

أما تأثير الأدب العربي في آداب لغات الأمم الساكنة في جنوبي أوربة، فقد قيل فيه: إنه وقع في لغة الأوك

Oc

التي كان يتكلم بها أهالي جنوبي فرنسة وكتلونية، إذ هناك أقام العرب طويلا، وقد دخل في اللغة الإفرنسية كلمات كثيرة من العربية لا مراء فيها، وهذا الاختلاط في اللغات لم يقع بخاصة أيام وجود العرب بفرنسة، بل قد وقع أكثره بعد جلائهم عنها؛ لأن العلاقات التجارية لم تنقطع بين العرب والفرنسيس في يوم من الأيام، وبالإجمال فتأثير العرب في فرنسة كان أقل مما يتوهم الناس، وإن ما أجروه فيها من العيث والتدمير ليتضاءل في جانب ما خربه النورمانديون والمجار، بل نقدر أن نقول: إنه بقيت للعرب مكانة عظيمة في نفوس الناس، حتى أصبحت لفظة سرازين ولفظة روماني كأنهما واحدة، وحتى تعود العامة أن ينسبوا إلى السرازين أي العرب كل ما يرونه كبارا أو جبارا.

ومن الغريب أنه لم يبق من غارات النورمنديين والمجار إلا تذكارات في بطون التواريخ، والحال أن تذكار غزو العرب لفرنسة لا يزال في جميع الأذهان كأنه حديث العهد، وقد وقعت غزوات العرب قبل غزوات النورمنديين والمجار، واستمر وجودهم في البلاد إلى ما بعد جلاء المجار واندماج النورمنديين في مجموع الأمة، إلا أن غزوات العرب الأولى كان فيها من العظمة والأبهة ما لا يمكن أن يقرأه الإنسان إلا وتعروه الدهشة والحيرة، وكان العرب يمتازون عن النورمنديين والمجار بكونهم أمة بقيت مدة طويلة تسير على رأس المدنية العامة، وأنهم بعد جلائهم عن فرنسة لم تزل تحت الرعدة من احتمال غاراتهم، ثم إن الحروب العظيمة التي تولوا كبرها، سواء في الأندلس أو في إفريقية أو في آسية في وجه الصليبيين، قد أضافت إلى اسمهم لمعانا جديدا فوق اللمعان الذي كان من قبل، وكل هذا لم يكن كافيا في تفسير مكانة العرب المكينة في الصدور لولا قصص الفرسان والفروسية التي كان يتغنى بها أهل فرنسة وجوارها، خلفا عن سلف، فقد كانت هذه القصص تكاد تكون الأسمار الوحيدة للأمراء والنبلاء، بل الأسمار الوحيدة لعامة الشعب، وإنما كان يعجب بتلك القصص وهاتيك الأخبار من سير الأبطال كل من كان يدعى نفسا عالية وحسا نجيبا، وقد تضاءل كل تاريخ بجانبها وهزل كل أدب ما عداها، وكان أكثرها شعرا ولهذا الشعر رواة اختصوا به، يذهبون من بلدة إلى بلدة ومن قرية إلى قرية، فينشدونها الجماهير التي تترنح لها أعطافهم، وكان لا يحتفل بعيد ولا بموسم إلا اندفع أولئك الرواة في إنشاد تلك القصائد عن سير أبطال الوطن، وكانت أكثر هذه السير تدور على حروب المسلمين، وعلى ما جالده صناديد الفرنسيس في دفع غاراتهم، ولما كان في هذه القصص وتلك القصائد من المبالغة ما هو جدير بكل القصاص الذين يترنمون بوقائع الأبطال، كانت الواقعة الواحدة تتجسم وتنمو وتصبح أضعاف ما هي تجسيما لفضل أولئك الذين تولوا كبر تلك الوقائع، حتى صار في تاريخ كل مدينة وكل بلدة من فرنسة وإيطالية أمير عربي أو بطل عربي يبارزه أمير إفرنسي أو بطل إفرنسي وبعد أن يشتد البراز ويطول العراك وتظهر فيه خوارق الأقدار، ينتهي بالبداهة بتغلب البطل الفرنسي على البطل العربي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٧٩