تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكروا أن حصونا كثيرة على قنن الجبال هي من بناء العرب المذكورين وأنه كانت لهم أبراج كثيرة منتظمة بلبة الساحل الإفرنسي والإيطالي، اختاروا لها تلال الجبال لتوقد بها النيران ليلا على حسب عادة العرب الذين كانوا يشبون هذه النيران إيذانا بوقوع الحرب وطلبا للمدد وجمعا للقوة. وقد ذكر ذلك المسيو ألفونس ده نيس

Denys

في كتابه النزهة البديعة في مقاطعة الفار، وكذلك جاء في كتب العرب كلام على الأربطة والمراقب التي شادها الأمير عقبة بن الحجاج السلولي، أمير الأندلس في جنوبي فرنسة، في نواحي سنة 734 وقد ذكر أيزيدور الباجي أن السمح بن مالك الخولاني الذي تولى قبل عقبة إمارة الأندلس، قد بنى هو جانبا من هذه الأبراج، ولكننا لا نعلم لماذا ينسبون بناء هذه الأبراج كلها إلى العرب، ولماذا لا يجوز أن يكون أهل البلاد أنفسهم هم الذين بنوها، أو بنوا بعضها، احتياطا لأنفسهم ومراقبة لأعدائهم.

16

هذا ومما وجد من آثار العرب في فرنسة الأطالس الحريرية والأسفاط الثمينة من العاج والفضة والكؤوس البلورية والأسلحة النفيسة، ولا يزال منها جانب في خزائن الكنائس وفي مخادع الغواة؛ والناس تقومها بأثمان غالية مما يدل على مكانة الصنعة العربية في الأنفس، ولكن من المحقق أن أكثر هذه المصنوعات العربية هي من عصر متأخر عن القرن الثامن، ولم يكن مقام العرب بفرنسة خاليا من تأثير في طرق الزراعة فإن هؤلاء القوم لم يحلوا في مكان إلا طبقوا الأراضي بالعمل، وجروا الأقنية، ونسقوا من تحتها الجنان شاهدك على ذلك تلك البساتين المنقطعة النظير، في مرسية وبلنسية وغرناطة، ويقال: إن العرب الذين نزلوا في بروفنس هم الذين بدأوا في استثمار شجر البلوط، ولا يزال هناك غابة منه يقال لها: غابة المغاربة. وكذلك العرب هم الذين كانوا يستخرجون القطران من أشجار الصنوبر والأرز، ويقلفطون به المراكب، ولهذا تجد أهالي بروفنس لا يقولون للقطران غودرون

Goudron

كما يقول سائر الفرنسيس، بل يقولون قطران

Quitran .

17

وقالوا: إن العرب هم الذين أصلحوا جنس الخيل في فرنسة، وذلك أنهم كانوا يأتون على سفنهم بالجياد العراب ليتسنى لهم عليها بث الغارات في داخل البلاد، فبقي جنسها في فرنسة من ذلك الوقت والآن يوجد صنف من الخيل في مقاطعة كامرغ

Camergue

متولد من ازدواج الخيل الأندلسية بخيول تلك المقاطعة.

ومما يظنه الناس من بقايا عادات العرب نوع الرقص الذي يطلع عليه الإنسان في جنوبي فرنسة وهو يختلف باختلاف الأماكن، فمنه زفن يقع في الليالي يرقص فيه الشاب بين فتاتين، وفي أثناء رقصه يقدم فاكهة تارة إلى هذه وطورا إلى تلك، ومنه ما يقف فيه الراقصون خطا، بإزاء الراقصات خطا، ثم يشتبك الخطان أحدهما بالآخر والشخص الذي يكون على رأس كل من الخطين يعمل إشارات يقتدي بها الآخرون، وهناك رقص عسكري يرقص فيه اثنان كل منهما متقلد سيفا يحاول أن يصيب به الآخر أشبه بالأقران في ساحة القتال إذا أرادوا أن يهاجموا أو يدافعوا.

أما وجود أناس في فرنسة نقدر أن نحكم عليهم حكما باتا بأنهم من أصل عربي فغير محقق، قيل لنا: إن قوما يسكنون على ضفاف نهر الصاوون، بين ماصون وليون، لا سيما على الضفة الشمالية أنهم من بقايا شرذمة من العسكر العربي انقطعت عن مجموع الجيش في أيام شارل مارتل وقالوا: إن لهؤلاء عادات خاصة وألفاظا خاصة قد تكون باقية من اللغة العربية ولكن شيئا من هذا لم يتحقق، لا سيما أن تلك الألفاظ هي في الحقيقة مشتقة من اللاتينية، أو باقية من الإفرنسي القديم وأن البلاد الواقعة بقرب ماصون لم ينزل بها عرب بل كانت ملجأ لمن فروا من وجه العرب، وكذلك قيل: إن جماعة من سكان البلاد المجاورة لجبال البيرانه، يقال لهم: كاغوت، هم من أصل عربي. ولكن لم يثبت شيء من هذا، بل الأرجح أن هذا الجيل من الناس هو من جملة الأجيال الغريبة المنتشرة في بريطانية وأوفرنيه باسم كاكو وكابوت وما أشبه ذلك.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٧٨