تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الآثار الحجرية التي تركها المسلمون في فرنسة على أثر غزواتهم فيها فهي قليلة جدا ففي أربونة مثلا حيث بقي العرب نحوا من أربعين سنة، لم نجد لهم بناء خاصا بهم، وغاية ما عملوا أنهم زادوا في تحكيم القلاع التي فيها حتى جعلوها في مناعتها لا تؤخذ، ولكن لم يجد المؤرخون هناك كتابات عربية ولا آثارا يتحققون كونها عربية. وقد قيل عن بناء في مدينة سردانية التي بجوار جبل لويس: إنه من عمل المسلمين، ولكن ذلك القول لم يثبت لأنه بناء لا يشابه أبنيتهم المعهودة، نعم يوجد في جنوبي فرنسة كثير من المسكوكات العربية وأكثرها ليس عليه ذكر الملوك الذين ضربت في أيامهم، ولا ينكر أنه في أواخر القرن التاسع للميلاد كان المسلمون قد قطعوا مراحل بعيدة في المعارف والفنون وأخذوا يتقدمون يوما فيوما في المدنية، وفي ذلك الوقت كان نزولهم في بلاد بروفنس ودوفني وسافواي وسويسرة، ولا نزاع في أن مسلمي إسبانية وصقلية بل مسلمي إفريقية نفسها كانوا في ذلك العصر أرقى من مسيحيي فرنسة والبلاد المجاورة لها التي كانت غائصة في فتن كقطع الليل المظلم ولسنا الآن في صدد المدنية الباهرة التي أثلها العرب في الأندلس فمن ذا الذي لا يسمع بعظمة جامع قرطبة الأعظم، ومن لا يعلم ما شاده العرب من الجسور والمعابر وشقوه من الأنهر والجداول لري الأراضي، وما بنوه من القصور المنيفة الشامخة، ولعمري لم ينحصر فضلهم في الصناعة والفن بل كانت لهم القدم الراسخة في العلوم العقلية والفلسفة وكانوا ترجموا إلى العربية كتب أرسطو وأبيقراط وجالينوس وديسقوريدوس وبطوليماووس وغيرهم، وكشفوا من العلم أسرارا جديدة أضافوها إلى ما تلقوه عن غيرهم. فكان تفوق العرب على المسيحيين في ذلك العصر حقيقة ثابتة لا مراء فيها وكان المسيحيون يفتقرون إليهم في العلم ويردون حياضهم فيه، وقد روى المؤرخون أن شانجة ملك ليون كان في سنة 960 جاء إلى قرطبة ملتمسا الاستشفاء، لدى أطباء العرب، من مرض كان قد أعياه شفاؤه، فوجد عند أطباء العرب الراحة التي كان ينشدها وبقي طول حياته يذكر الحفاوة التي استقبل بها والاعتناء الذي رآه في قرطبة بشأنه، وفي تلك الأيام كان راهب اسمه جربرت انتجع إسبانية، طلبا للعلوم الطبيعية والرياضية، فبلغ من العلم مبلغا خيل لعامة فرنسة إذ ذاك أنه ساحر.

15

أما العرب الذين جاءت عصائبهم ونزلت في أرض فرنسة وتدرجت إلى جبال الألب فلم يكونوا من النمط الأول؛ أي من الذين يريدون أن ينشروا ثقافة أو يؤثلوا مدنية، وإنما كانت غاراتهم كلها منبعثة عن طمع في النهب وغرام بالكسب. فالنهضة الحقيقية في أوربة لم تبدأ إلا منذ القرن الثاني عشر أي منذ زحف أهل الغرب لقتال أهل الشرق، ووجدت النصرانية والإسلام في الصراع وجها لوجه، فوقع الاحتكاك بين المسلمين والمسيحيين، وأفاق الفرنسيس والإنكليز والألمان من رقدتهم ونفضوا عنهم غبار الخمول، ووجدوا ضرورة المشاطرة في المدنية الإسلامية، وكان علم اللغة اليونانية قد درس، وصار العلم اليوناني غير معروف إلا عند العرب، فأخذ المسيحيون من فرنسة وجوارها يؤمون إسبانية لأجل ترجمة التآليف العربية المنقولة عن اليونان، وذلك إلى اللغة اللاتينية التي كانت يومئذ لغة الكتابة والعلم في أوربة، وقد بقيت هذه التراجم إلى القرن الخامس عشر هي عمدة الجامعات والمدارس في معرفة علوم يونان.

ولا مندوحة لنا عن أن نقول كلمتين عن آثار هؤلاء العرب الذين نزلوا في فركسنيت، فإن الأثر الذي أثروه هناك من الآبار المحفورة والأسراب المكفورة والحجارة المنحوتة والأبنية المحكمة لا تزال بقاياه بارزة للعيان، دالة على صبر عجيب وهمة بعيدة، ولكن لم يوجد على شيء من ذلك الحصن كتابات عربية كما وجد في الحصون التي من بناء العرب في الأندلس.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٧٧