ويحق للإنسان أن يسأل: بأي لسان كان العرب يكالمون الأمم التي تغلبوا عليها؟ فإن من عادة العرب أن لا يحفلوا بغير لغتهم كما أن المسيحيين لذلك العهد كانوا من الجهل والبربرية بحيث لم يكونوا يفكرون في تعلم العربية، ولم يذكر التاريخ رجلا مسيحيا لأوائل أيام الفتح الإسلامي أتقن العربية غير هارتموت
Hertmote
رئيس دير سانغال الذي كان يعرف العربية واليونانية والعبرية، وكان من رجال أواخر القرن التاسع، ولم يبدأ آباؤنا بتعلم العربية إلا في أيام الحروب الصليبية؛ إذ لم يجدوا غنى عن الاطلاع على لغة قوم استولوا على جانب من بلادهم، فكانوا يذهبون إلى إسبانية حيث كانت العربية واللاتينية تعلمان جنبا إلى جنب ويقرأون العربية على أهلها، وفي سنة 1142 أكمل بطرس رئيس دير كلوني
Cluny
أول ترجمة لاتينية للقرآن، وبدأ يكتب الردود على دين الإسلام، وتبعه في ذلك مؤلفون كثيرون من النصارى.
على أننا لا نشك في أنه في أول دخول العرب إلى فرنسة كانت اللغة العربية معروفة فيها، وكان كثير من الإفرنج يحسنون التكلم بها، وذلك لأن العرب كانوا يأخذون أبناء البيوتات النبيلة رهائن على طاعة أهلهم لهم، ويرسلون هذه الرهائن إلى قلب مملكتهم، فكان لابد لهم هنالك من أن يتعلموا العربية، وكذلك كان بديهيا أن الأسرى والعبيد من المسيحيين يتعلمون العربية، فإذا عادوا إلى بلادهم كانوا من جملة الإفرنج الذين يعرفون هذه اللغة، وأضف إلى ذلك المسلمين المستعبدين الذين كانوا في أرض فرنسة فقد كانوا كلهم يتكلمون بالعربية، ولا تنس التجار وزوار بيت المقدس الذين برغم جميع تلك الحروب الهائلة لم ينقطعوا عن التجارة ولا عن الزيارة، وكانوا يختلفون إلى مصر والشام وغيرهما من بلاد الإسلام، ومن جملة هؤلاء الإنكليزي القديس غيلبود
Geillebaud
الذي ذهب إلى الشرق ووصل إلى الشام سنة 734 للمسيح، وقيل: إنه عند وصوله إلى دمشق قبض عليه على ظن أنه جاسوس، فلما علموا أنه قادم لزيارة بيت المقدس خلوا سبيله، فطاف في سورية وفلسطين بدون معارضة؛ ولكن لم يقع في أيدينا شيء من المعلومات عما دار من الأحاديث بين الخليفة في دمشق وبين القديس المذكور.
وكان المسيحيون في ذلك العصر مستسلمين للأقدار يعتقدون أن غزوات العرب لبلادهم إنما هي عقاب من الله تعالى للبشر على خطاياهم فكانوا راضين بما قدره الله عليهم لا يحاولون دفع ما نزل بهم ولم ينهضوا في أوربة لاستعمال الوسائل البشرية الكفيلة بدفع الأذى عنهم إلا في أيام الحروب الصليبية.
وكان المسلمون في غاراتهم يستعملون السبي فيربون الصبيان إلى أن يبلغوا رشدهم، ويجعلونهم جنودا، ويربون الصبيات إلى أن يبلغن رشدهن فيتخذوهن حلائل، وكانوا في أي مكان شنوا فيه الغارة وضعوا ذلك نصب أعينهم، تأمل في كيفية حلولهم بجزيرة أقريطش، فقد تقدم أن خمسة عشر ألفا من ربض قرطبة أجلوا عن الأندلس على أثر فتنة الربض المشهورة، فجاءوا إلى الإسكندرية، ومن هناك عزموا على النزول في أقريطش نظرا لحسن هوائها وجودة تربتها، ولما وصلوا إلى تلك الجزيرة أمرهم قائدهم بأن يبدأوا بالعمارة، وأحرق السفن التي جاءوا بها، فصاح رفاقه به قائلين له: كيف يمكننا بعد الآن أن نراسل نساءلنا وأولادنا؟ فأجابهم: إنني أعطيتكم وطنا جديدا وهذا الوطن هو الذي يكفل لكم إيجاد نساء تتزوجون بهن، وبعد ذلك عليكم أنتم أن تنسلوا الأولاد، ولما جاء المسلمون ودخلوا أرض فرنسة فاتحين لم يكن لهم مقصد سوى نشر دين الإسلام وإخضاع فرنسة وكل أوربة لأحكام القرآن، ولكن فيما بعد ذلك دخل في تلك الغزوات مقاصد أخرى، كحب النهب أو الأخذ بالثأر، ومن هذا القبيل نزول العرب في أواخر القرن التاسع في أرض بروفنس.
وقد ذكر المؤرخ ليو تبرند كيفية فتح العرب لصقلية فقال: إن أمير صقلية من قبل إمبراطور القسطنطينية كان قد خرج من طاعته، فأرسل يستنجد أمير العرب في القيروان، فشاور هذا أعوانه فيما يفعل، فأشاروا عليه بإصراخه، ولكن على شرط أن العسكر الإسلامي يأخذ ما يمكنه من الغنائم ويقفل بدون استقرار في تلك الجزيرة، وذلك لأنهم لمعرفتهم بشدة قرب صقلية من الأرض الكبيرة كانوا يعتقدون أن مقام أمة تخالف أهل تلك الديار في اللغة والعقيدة لا يمكن أن يكون هناك لا طويلا ولا وطيدا، وأنه لا مناص من أن يكر اليونان والإفرنج فيسترجعوا تلك الجزيرة ولو بعد حين، قيل: إن أحدهم سأل يوم عقد تلك الشورى بشأن غزو صقلية ما مقدار المسافة التي تفصل بين الجزيرة والأرض الكبيرة؟ فأجابوه بأن الإنسان يقدر أن يأتي ويرجع مرتين أو ثلاثا في النهار، فسأل: وكم المسافة بين صقلية وإفريقية؟ فقيل له: مسافة يوم وليلة. فقال: لو كنت طيرا ما رضيت أن أجعل مقامي بهذه الجزيرة والحال هي هذه من جهة المسافة. ذكر ذلك النويري. والحقيقة أن المسلمين لم يعولوا على البقاء في صقلية إلا بعد أن رأوا أمورها فوضى، وبعد أن وجدوا أمراء تلك البلاد يستعينون بهم بعضهم على بعض، لا تجمعهم جامعة قومية ولا تضمهم صارخة وطنية.