تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

وإن كان الأسير المستعبد أبى أن يتحول عن دينه إلى الإسلام فقد كانوا يستعملونه في حرث الأرض أو في حمل الأثقال، وقد وجد مسيحيون كثيرون قبلوا الإسلام، وآخرون بقوا متمسكين بنصرانيتهم، وكلهم كانوا يمتازون بالخدمة وكان يعول عليهم في الحروب، وقد كان منهم كثير في الحرس الخاص للخلفاء والملوك لا سيما في قرطبة، ولم يكن أسرى المسيحيين الذين بقوا متمسكين بدينهم ليلبثوا عبيدا بدون أمل في الحرية، بل كان أمراء المسلمين وأغنياؤهم ممن يصير إليهم بعض هؤلاء الأسرى إذا وقعت لهم حوادث جاء التوفيق فيها لهم رفيقا أرادوا شكر الله تعالى على نعمته فحرروا من عندهم من الأسرى وسنة 997 علم المنصور بن أبي عامر بأن الله كتب لجنوده النصر في واقعة كبيرة في إفريقية فشكرا لله تعالى أسرع إلى تحرير ألف وثمانمائة أسير مسيحي من ذكور وإناث.

10

وكان المسيحيون يجمعون أموالا ويذهبون إلى إسبانية وإفريقية لافتكاك الأسارى، هذا يفتك أباه وهذا أخاه وهذا صديقه وهلم جرا، ومن هناك تأسست رهبانيات بقيت مدة قرون في أوربة لم يكن لها عمل إلا افتكاك الأسارى من بلاد المسلمين، وقد سجل التاريخ من مآثر هذه الجمعية ما هو فوق الوصف، ومن ذلك عمل إيزان رئيس دير القديس فيكتور في مرسيلية، الذي ذهب في سنة 1047 إلى الأندلس برغم ضعف جسمه وكثرة أمراضه، وأفتك عددا من أسارى المسيحيين وجاء بهم قاصدا فرنسة، فبينما هم في البحر هاجمهم قرصان فأخذوهم ووقعوا ثانية في الأسر، ورجع إيزان يسعى من جديد سعيا حثيثا ويذهب ويجيء حتى افتكهم مرة ثانية، وعندما جاء بهم إلى مرسيلية كان الضنى قد بلغ منه مبلغه فما وطئ أرض مرسيلية حتى مات دنفا.

وأما الرقيق من النساء فكن يشتغلن في قصور الأمراء وحرم الأغنياء ويساعدن زوجات الرجل الذي يملكهن، وإذا امتازت إحداهن بجمال أو قسام كانت تعلم وتهذب وتباع بثمن غال أو يتزوج بها مالكها وكثيرا ما كن يرسلن هدايا إلى الخلفاء والكبراء، وذلك كما حصل للأميرة «لمبيجية» ابنة أود دوق أكيتانية التي صارت إلى الخليفة في دمشق وإذا تزوج المسلم بأمة صارت بذلك حرة وكان أولادها أيضا أحرارا، ولم يكن فرق بينها وبين الزوجة التي هي حرة من الأصل، وإن كان ولد للرجل من جاريته أولاد، ولو لم يكن عقد نكاح، ورضي بأن يعترف بهم فإنهم يصيرون أحرارا وتصير أمهم حرة أيضا لكن مع بقائها تحت سلطة زوجها، ومثل هذه الجارية عند وفاة زوجها تتحرر تماما ويقال لها عندهم: أم ولد. وكانت قصور خلفاء دمشق وبغداد وقرطبة ملأى بالنساء اللائي يقال لهن: أم ولد. وكان أولاد هارون الرشيد، ما عدا واحدا فقط، كلهم أبناء جوار يقال للواحدة منهن: أم ولد. أما إذا كان الأب ولد له أولاد من جاريته ولم يرد أن يعترف بهم فإنهم يبقون هم وأمهم عبيدا.

ولنضرب لك مثلا على ما كان يعانيه الأسرى المسيحيون، في بلاد الإسلام، بالحادثة الآتية:

في أواخر القرن العاشر وقع رجل من أحلاس الحرب، من بلدة طلوزة، أسيرا في أثناء ذهابه لزيارة بيت المقدس، فصار إلى بيت رجل من الأغنياء استخدمه في حرث الأرض، فقال لهم: إنه لا يحسن هذا العمل وإنه لا يحسن غير القتال، فجعلوه جنديا، وحضر وقائع كثيرة وآل به التقلب في البلاد إلى أن حضر حرب قرطبة الأهلية سنة 1009 مسيحية، وهناك امتاز بالبسالة ونبه أمره، ولما كان «شنجو» كونت قشتيلة قد خاض غمرات تلك الحرب وشاهد ما شاهده من إقدام هذا الرجل أمر بإطلاق سبيله.

أما مصير المسلمين الذين كانوا يقعون في أيدي الإفرنج فلم يكن يختلف كثيرا عن مصير المسيحيين الذين يقعون أسرى في بلاد الإسلام، ولقد كان الرق معروفا بفرنسة، وكان يأتيها رقيق كثيرون من جرمانيين وسلاف وغيرهم من شمالي أوربة، فإذا كان يستعبد فيها الأوربيون فبديهي أن يستعبد فيها الأسرى من المسلمين، ولم يكن فرق بين الأسرى في الإسلام والأسرى في بلاد الإفرنج، سوى أن الرقيق في الإسلام إذا تحرر أصبحت له جميع حقوق الأحرار، بخلاف القاعدة في أوربة فإن طبقة العبيد ولو تحرروا تبقى منحطة عن طبقة النبلاء، وتبقى بينهما فواصل، وكان المسلمون يبذلون أيضا الأموال في افتكاك أسراهم، فمنهم من يفكه أهله، ومنهم من يفكه أصحابه، ومنهم من يفكه سلطانه، وقد تأسست عند المسلمين جمعيات لفداء الأسرى كما عند المسيحيين، وذلك إن فك العاني معدود من أفضل الأعمال في الإسلام، وقد سأل محمدا

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٧٢