ماذا كان السبب يا ترى في ذهاب آبائنا في الوهم والخطأ إلى هذا الحد؟ الجواب أن بعض العلماء ذهبوا إلى كون أسماء ترفاغنت وأبولين وما أشبه ذلك كانت آتية من بلاد النورمانديين أهالي شمالي أوربة الذين كانوا يعبدون الأصنام، فالعامة في أوربة خلطوهم بالمسلمين بزعمهم أن كل من ليسوا مسيحيين وثنيون! وكذلك كان البربر الذين جاءوا مع العرب متمسكين ببعض شعائر وثنية كانوا يمارسونها ظنت العامة أن هذه الشعائر كان يمارسها العرب أيضا، ولا يجوز أن ننسى أنه في هذه الكتب التي تتهم المسلمين بالوثنية وتزعم هذا الزعم الغريب أنهم ينحتون تماثيل من حجر أو خشب أو معدن ويعبدونها وقد ورد أن المسلمين إذا وجدوا تلك التماثيل لم تنفعهم انقضوا عليها وحطموها وجعلوها جذاذا.
على أن الاسم العربي والدين الإسلامي كانا هما السائدين في هذه الفتوحات الإسلامية في أوربة، فليس عندنا شيء من الآثار عن البربر أو الصقالبة الذين كانوا مع العرب في مغازيهم، وكل ما عندنا عن هذه الفتوحات إنما هو من رشحات أقلام العرب المسلمين.
أما أسباب هذه الفتوحات العربية، والعلل الأصلية في اقتحام هذه الغمرات، فهي متعددة، فمنها ما يرجع إلى حب الغنائم وكسب الأموال، ومنها ذوق خاص بالضرب في الآفاق، ومنها ما هو محض تجرد لنشر الدين الإسلامي ورجاء ثواب هذا العمل المبرور عند الله فإن القرآن يحث على الجهاد في سبيل الله
انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
فالمسلمون الذين كانوا يقدرون على حمل السلاح كانوا يجاهدون بأنفسهم، والذين لم يكونوا قادرين على القتال كانوا يجاهدون بأموالهم وجاء في القرآن:
الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
وكل مسلم يموت وهو يقاتل في سبيل الله فإنه يموت شهيدا
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون
فالمسلمون يسمون شهيدا كل من بذل دمه في سبيل الإسلام، كما أن المسيحيين يسمون شهيدا كل من مات لأجل النصرانية.
ثم إن الشرع الإسلامي يفرض على المسلمين أن يدعوا غير المسلمين إلى الإسلام، أو إلى دفع الجزية، وذلك قبل إعلان الجهاد ومباشرة الحرب ويجوز أن يكون قد حصل هذا الإعلان عند دخول العساكر الإسلامية إلى فرنسة ولكن الأهالي لم يجيبوا دعوة الإسلام فاضطر أمراء المسلمين إلى تجريد الحسام، وكان المسلمون في أوائل الفتح يتقلدون السيوف ويتأبطون الرماح ويتنكبون القسي، وكانوا كلهم متعممين، ثم إنهم بتغير الأوقات صاروا يتشبهون بالنصارى في أزيائهم وأسلحتهم، ويلبسون الدروع ويغوصون في الزرد وطالما كانوا يقتنون سيوف مدينة «بوردو» لشهرتها في ذلك الوقت، وتركت عساكرهم العمائم وصاروا يلبسون على رءوسهم الكمة الهندية، وكان أمراء الفرنسيس في كتلونية أهدوا الخليفة عشر أدراع سلافية ومائة سيف إفرنسي، وأنعم الخليفة على حاجبه يوم توليته إياه الوزارة بمائة فارس إفرنجي متقلدين السيوف والحراب غائصين في الحديد على رءوسهم الكمم الهندية، وبالاختصار كان المسلمون قد اقتدوا في شكتهم وأعلامهم وسروج خيولهم بأوربة المسيحية، ولكن بدون شك كانوا يسترجحون في التسلح جانب الخفة ، ويتجنبون السلاح الثقيل الذي كان يعول عليه الأوربيون.
8
أما الغنائم فكانت عبارة عن الحجارة النفيسة والنقود المضروبة والمنسوجات والأدوات والأسرى والسبي، وكان السبي أفضل جزء من الغنائم، وكان الأمير يستأثر بالخمس بحسب الشريعة، وينفقه في إعانة الفقراء وأبناء السبيل، وكان الباقي يوزع على الجند، وللفارس ضعفا ما للراجل، وكان يوجد دائما في ساقة الجيش تجار يشترون كل ما يقع في أيديهم من صامت وناطق.
أما الأسرى فليسوا كأسرى هذه الأيام، فكان المسيحي إذا وقع أسيرا كبلوه وإذا انتهت قسمة الغنائم عرف الأسير ذلك الرجل المسلم الذي خرج هو في نصيبه فيصير له مملوكا يتصرف به كيف شاء، ويصير هو وجميع ما يعمله ملكا لسيده، ويتوارثه الأبناء عن الآباء، ويعود أولاده أيضا أرقاء نظير والدهم، وإذا كان سيده غيورا على الإسلام عرض على ذلك الأسير المسيحي اتخاذ الإسلام دينا فإذا أسلم فقد يعتقه وإن لم يعتقه افتكه بعض الصالحين ومحبي الخير من المسلمين؛ لأن تحرير الرقاب هو من أفضل القربات عند المسلمين، وهو بعد تحريره يصير في المجتمع الإسلامي نظير سائر الأحرار ويبلغ من درجات العلياء ما يقسم له حظه ونصيبه ويطلق عليه اسم مولى وهو اسم يتضمن معنى السيد ومعنى المملوك معا، وهناك طبقة أخرى وهي طبقة العبيد الذين يعتقهم سادتهم ولكن على شرط أن يؤدوا إلى سادتهم شيئا معلوما كل سنة.