صلى الله عليه وسلم
سائل عما يجب أن يعمله لينال أفضل الثواب فأوصاه النبي بتحرير الرقاب، وقد روى النويري ولذريق شيميناس أنه في زمن الأمير هشام بن عبد الرحمن بلغ من ظفر جيوش الإسلام أنهم بحثوا عن أسرى يفكونهم بالمال المجموع لذلك الغرض فلم يجدوا أسيرا مسلما يفكونه.
وكان يؤتى بأسرى المسلمين إلى آرل ومرسيلية وأربونة، ويباعون فيها، ويأتي أناس من أبناء ملتهم إلى هذه المدن فيفدونهم فأما المسلمون الذين لم يحصل لهم نصيب الافتكاك من الأسر فكانوا يصيرون إلى العبودية، فيشتغل الواحد منهم في خدمة مالكه، وأكثر ما كانوا يستعملونهم في الحرث، وكان يحق لمالك العبد أن يبيعه أو أن يضربه أو أن يعذبه، وكثيرا ما كانوا يكبلونهم بالحديد لئلا يفروا، ولم يكن للعبيد من المسلمين، كما لم يكن للعبيد من اليهود ومن الوثنيين، حق أن يتزوجوا بالمسيحيات ولو كن من الخوادم، ومن كانت منهن متزوجة بغير مسيحي كان لا يؤذن بدفنها في مقابر النصارى بل هناك ما هو أكثر من ذلك، وهو أنه لم يكن يؤذن في زواج العبد من الأمة ولو كانا من ملة واحدة، وإنما كان للمالك أن يأذن في مساكنة العبد للأمة في مكان واحد، ولكن على شرط أن الأولاد الذين يولدون لها يكونون ملكا للمالك المذكور، ولقد تلاشى الرق من أوربة في نواحي القرن الثاني عشر إلا أنه بقي جائزا بحق غير المسيحيين لا سيما المسلمين، وعلى ذلك شواهد من آثار القرن الثاني عشر والقرون التالية، ومن جملتها نصوص واردة في مجموعة القوانين البحرية القديمة تأليف المسيو بارديسو، غير أن ذوي التقوى كانوا إذا أرادوا أن يشكروا الله تعالى على نعمة أفاءها الله عليهم أعتقوا عبيدهم ثم عمت العادة بأن كل عبد طلب أن يتعمد أي أن يتنصر يصير حرا، وهكذا اندمج العبيد في سائر الأمة.
وكان العبيد من المسلمين يشتغلون في المزارع من أملاك المتمولين أو أوقاف الأديار والكنائس، وقد مر بنا أن أسارى المسلمين الذين وقعوا في اليد سنة 1019 أمام أربونة قد وزعهم المسيحيون على الكنائس وعلى بعض الزعماء، وهكذا وقع للمسلمين الذين كانوا في فرنسة بعد سقوطهم في معركة سنة 975 ولجميع عساكر المسلمين الذين انفصلوا عن مجموع جيشهم في أثناء غزواتهم للبلاد الإفرنسية.
وكانت هناك أسباب أخرى لزيادة عدد الرقيق المسلم في فرنسة، منها الحروب الصليبية في الشرق، ومنها الحروب التي كانت تقع بين الإفرنج وبين مسلمي الأندلس، وقد ذكر المسيو بارديسو - في كتابه المار الذكر - أن منها ما كان آتيا أيضا بطريق التجارة، ومما لا نزاع فيه أنه قد بقي استعباد أسرى المسلمين في فرنسة عادة متبعة دهرا طويلا، وفي سنة 1149 أوصى أرنود مطران أربونة بعبيده المسلمين لمطران بيزيه
Beziers
وفي سنة 1250 أوصى روميو فيلنوف
Romeo de Villeneuve
الذي كان وزيرا عند كونت بروفنس، قبل موته، ببيع العبيد المسلمين الذين كانوا في أراضيه، وكانوا من الذكور والإناث، ذكر هذا المسيو بوش في تاريخ بروفنس، وبعد ذلك بمئتي سنة ورد ذكر شراء الملك رينه
Reué
11
لثلاثة عبيد من المسلمين، وقد اطلعنا على قرارات لمجمع الأساقفة في طراكونية في إسبانية المنعقد 1239 من جملتها أن يجبر المسلمون الذين بفرنسة على اتخاذ لبس خاص بهم، وكذلك اليهود، وقد جاء مثل هذا الاقتراح في قانون لأسقف بيزيه سنة 1863.
وكان المتحمسون بالنصرانية يغضبون للسماح بزواج الأرقاء في فرنسة بحيث وجد في قانون رهبانية جيتو
Jéteau
مادة تمنع أديار هذه الرهبانية أن يجتمع فيها مسلمون ومسلمات في محل واحد، بل كان هناك معاهد دينية ترفض استخدام العبيد المسلمين في أشغالها.
لقد مر بنا أن المسلمين الذين كانوا يطلبون المعمودية يصيرون أحرارا، وكان هذا حقا لهم، ولما كان كثير من هذا الطلب لا يقع عن إخلاص أو عقيدة، وكان بعض هؤلاء المتعمدين إذا حصلوا على حريتهم يعودون إلى ضلالهم، فكان لسادة هؤلاء العبيد الحق في امتحانهم مدة من الزمن، وعند ذلك صار كثير من المسيحيين الذين لا وجدان لهم يمتحنون عبيدهم من المسلمين امتحانات يقصدون بها منعهم من الدخول في النصرانية، ومنهم من كانوا وقد تنصر عبيدهم، يرفضون الموافقة على تحريرهم ويستمرون على إرهاقهم بأشد ما يمكن، ولقد أصدر الباب كليمنفوس الرابع سنة 1266 منشورا أنزل به صواعق الغضب على رئيس دير القديس بندكنس في ميرنده، لكونه عذب رجلا مسلما غنيا كان قد تنصر، وزعم هذا الرئيس أن تنصره كان غير حقيقي وضبط له أملاكه وحرم منها أولاده.