مرادنا أن ننظر إلى هذه الغارات العربية من حيث المجموع وأن نشير إلى بعض حقائق لم يتسن لنا حتى الآن أن نتبسط فيها.
وكذلك نريد أن نذكر الشعوب المختلفة التي ضربت بأسهم مذكورة في هذه الغارات، ولا نزاع في أن النهضة الأولى قد كانت للعرب، وأن جميع الغزوات الكبرى كان يرأسها قواد من هذه الأمة، وأن الاسم العربي هو الذي كان غالبا فيها، وأنه كان بمنزلة القطب من الرحى، وأن المراد بلفظة «سارازين» عند كتاب الأوربيين هو العرب لا غير.
فمن أين جاءت لفظة سارازين هذه؟ الجواب جاءت من اللفظة اللاتينية «ساراسنوس» التي أصلها اللفظة اليونانية «سراكنوس» وهذه اللفظة معروفة منذ القرون الأولى من التاريخ المسيحي، والناس تقصد بها العرب الرحل الذين في جزيرة العرب وبين دجلة والفرات وسورية وبلاد العجم، قد ذهب الناس مذاهب شتى في مأخذ هذه اللفظة، وأكثر الآراء اتفقت على أنها مشتقة من «شرقي» لا سيما أن بطليماوس الجغرافي الفلكي اليوناني الذي كان بمصر يتكلم في جغرافيته عن شعب يقطن في بلاد جزائر الغرب يقال له: مغاربة
Machurebe
فمن هنا ظهر أنه أريد بكلمة «شرقيين» التي جاءت منها كلمة «ساراكينو» العرب الذين بقوا في آسية، كما أن الذين جلوا منهم إلى إفريقية تسموا مغاربة وذلك كما هي الحال اليوم.
وقد ذهب بعض علماء المسيحيين في القرون الوسطى إلى أن «سرازين» مشتقة من «سارة» زوجة إبراهيم الخليل، وهذا غير وارد؛ لأن سارة هي أم إسحق لا أم إسماعيل جد العرب.
ومن الأسماء التي يطلقها المسيحيون على العرب في القرون الوسطى الإسماعيلية،
1
أي أبناء إسماعيل، وهذه هي نسبة موافقة للواقع؛ لأن قسما كبيرا من قبائل العرب متسلسل من إسماعيل، ومحمد من هذه السلالة، ولكن العرب لا يعترفون بأن إسماعيل كان ابن أمة وأن إسحق يمتاز عليه، وهم ينسبون إلى إسماعيل كل ما ورد في التوراة عن إسحق، ومما استعملوه في القرون الوسطى من الأسماء التي كانت تطلق على العرب لفظة «هجارنة» أي سلالة هاجر، وهذا الاصطلاح، أي هجارنة، مجهول عند العرب، ثم إن أعظم شعب اشترك مع العرب في هذه الغزوات هو الشعب الساكن في جبل الأطلس ونواحيه المنتشر من مصر إلى الأوقيانوس الأطلنطيكي، ومن البحر المتوسط إلى السودان، والذي يقال له: البربر. يعرفهم الإنسان بلونهم النحاسي وأنوفهم الحادة وشفاههم الرقيقة ووجوههم المستديرة، والمظنون أن هذه الأقوام التي يقال لها: البرابر قد وجدت في إفريقية قبل أن وجد الفينيقيون في قرطجنة، وهم من قديم الزمان معتصمون بجبالهم لا يخضعون لسلطة أجنبية، وكان اليونان والرومان يقولون عنهم: البرابرة فبقي عليهم اسم بربر إلى الآن. وقد اندمج هؤلاء البربر مع غيرهم من الإفريقيين ومع بقايا الشعب القرطجني وبقايا الرومان والفاندال، وتألف منهم شعب واحد يقال له: الشعب المغربي
Maure
أو الشعب الإفريقي
Afri ou Afrecaia .
وقد كان بين الأقوام الذين اشتركوا مع العرب في غزو فرنسة من هم من سلالة جرمانية أو صقلبية، وذلك أنه في القرنين الرابع والخامس للمسيح تقدم أسلاف الذين كانوا ساكنين في شمالي البحر الأسود ونهر الدانوب، زاحفين إلى قلب أوربة وإلى جنوبيها، بأسماء مختلفة، كصقالبة وخرواطيين وسربيين ومورافيين وبوهيميين وتديروا بولونية وبوهيمية وسربية ودالماسية، وقسما من بلاد اليونان، وكانوا في أثناء زحفهم يقتتلون مع الأمم السكسونية والأمم الهونية التي منها المجار، وكان الفريقان في حروب دائمة مع شارل مارتل وأولاده وأحفاده؛ لأن ممالك هؤلاء كانت دائما عرضة لغارات هؤلاء البرابرة، ولم تنقطع هذه الحروب المصطلمة إلا بعد أن دخل الجرمانيون والسلاف في النصرانية، وقد كان البرابرة المذكورون يستعملون الأسرى الذين يقعون في أيديهم كالحيوانات بلا فرق، وكان أهالي هولندة يبيعون أسراهم كالعبيد، وانتشرت هذه العادة في فرنسة والبلاد المجاورة لها، ولم تنقطع إلا بعد أن دخل هؤلاء البرابرة في النصرانية