تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وتهذبوا.

ومن المعلوم أن تجارة الرقيق امتدت جدا بعد أن افتتح المسلمون الشام ومصر وإفريقية والأندلس؛ لأن العرب كانوا يعرفون الرق ويحملون عبيدهم على جميع الأشغال اليدوية وعلى الحرث والزرع، أما في الشرع الإسلامي فالرقيق لا يهان أصلا، وكل عبد تظهر كفايته في شغل من الأشغال يقدر أن يرقى إلى ما يرقى إليه الحر بدون فرق وكان التجار يذهبون إلى بلاد الجرمانيين والسلاف وأحيانا إلى نواحي بحر الأدرياتيك والبحر الأسود ويأتون بأصناف الرقيق، ولم يزل أهالي القوقاس يبيعون من أولادهم إلى اليوم، فكانت هذه الشعوب تبيع من أولادها إلى التجار، وكان يأتي منهم قسم إلى فرنسة لا بالبيع والشراء بل بواسطة السبي في الحروب.

ولما كان المسلمون غيرا في قضية الحريم صاروا يخصون هؤلاء العبيد ليمكنهم استخدامهم في داخل الأحاريم بدون خوف فتنة، وهكذا تولدت في فرنسة مهنة جديدة هي مهنة الخصي، وتأسس لذلك معمل كبير في فاردون

Verdun

في بلاد اللورين.

وكان الصبيان الذين ينجون من خطر هذه العملية القاسية يباعون في أسواق الأندلس بأثمان عالية، وكانوا يتهادون الخصيان من الصقالبة كما يتهادون الخيل أو الحلي الثمينة.

وقد روى أحد كتاب العرب أنه في سنة 966 أراد أمراء كتلونية من الإفرنج أن يتزلفوا إلى خليفة قرطبة فقدموا له هدايا من جملتها عشرون خصيا صقلبيا، والعرب يصفون جميع الرقيق الجرماني والصقلبي والسلافي بلفظة صقلبي

Saclabi

ونظن أنه من هذه اللفظة جاءت كلمة اسكلاف

Esclave

بمعنى عبد. وكان أكثر حرس خلفاء قرطبة وأمراء الأندلس من الصقالبة، وكان منهم كثير في صقلية، ولهم في مدينة بلرم حارة منسوبة إليهم، وكان منهم عدد كبير في إفريقية، وقد يصل الصقالبة إلى أعلى المناصب، ولذلك لا يمكنك أن تقرأ تاريخا لدولة عربية ليس فيه ذكر للصقالبة؛ إذ بدون ذلك يكون التاريخ مغلقا لا يتحصل فهمه.

3

ولم يكن بين العرب والبربر أناس من شمالي أوربة ومن أصل وثني فقط، بل وجد لهم أنصار ويا للخجل قد ولدوا في حجر النصرانية، من أهل إيطالية وأهل فرنسة، وقد كان اليهود يستثمرون بؤس الأهالي ويشترون الأولاد من ذكور وإناث ويأتون بهم إلى مراسي البحر حيث كانت ترد سفن اليونان والبنادقة وتحملهم إلى بلاد الإسلام، وكانت هذه التجارة القبيحة قد وصلت إلى قلب عاصمة النصرانية، وقد جاء في مجموعة موارثوري أنه في سنة 750 اضطر البابا زخريا أن يشتري بماله من أيدى البنادقة عددا كبيرا من الأولاد ذكورا وإناثا كانوا يريدون الخروج بهم من رومة ثم إن البابا الذي خلف زخريا اضطر أن يحرق مراكب كثيرة لليونان آتية لحمل الرقيق، وقد جاء في تاريخ الصليبيين للمسيو ميشو أن هذه التجارة كانت جارية في أوربة حتى القرن الثالث عشر، ولكن بشيء من الاحتياط، وكان أسارى المسيحيين والسبي منهم يستخدمون في جيوش المسلمين، وكان السبي من أعظم مقاصد هؤلاء في الغزو، فكلما حصلت معركة رأيت أسواق الأندلس وإفريقية غاصة بالأسرى المسيحيين، فأما الأطفال والأولاد فكانوا يربون في الإسلام وفي اللغة العربية، وكانوا لا يقدرون أن يرتدوا عن الإسلام إذا بلغوا، وأما الأرقاء الذين بلغوا سن الرشد فلم يكونوا يجبرون على الإسلام لأنه جاء في القرآن

لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي

على أن كثيرا من المسيحيين البالغين كانوا يخدمون في جيوش المسلمين عن طيب خاطر.

وأضف إلى هؤلاء قسما من أهالي البلاد التي افتتحها المسلمون، فإن العرب والبربر عندما افتتحوا الأندلس وجدوا أعوانا لا يحصى عددهم من المسيحيين واليهود، ولما لم يكن جيش العرب كافيا لحفظ جميع هذه الفتوحات كانوا كلما دخلوا بلدة عهدوا إلى اليهود بحراستها،

4

ولما دخل العرب إلى أرض فرنسة وما جاورها من البلاد لم يخل الأمر من أنهم وجدوا من أهل البلاد رجالا ممن لا يعرفون الحمية الدينية ولا الوطنية، وممن دأبهم أن يستفيدوا من المصائب العامة، فمشوا بين أيدي العرب في غزواتهم وفتوحهم وحطبوا في حبالهم، ولقد رأينا كيف أن «مورونت» دوق مرسيلية وغيره من سادة البلاد تمالأوا مع العرب على أبناء بلادهم، فإذا كان هذا شأن الكبار فما ظنك بالصغار؟ ولا شك أن العرب في فتوحاتهم في مقاطعات دوفيني وبييمونت وسفواي وسويسرة كانوا قد وجدوا من الأهالي أعضادا لهم سرا وعلنا، وكان مؤرخو ذلك العصر لا يصرحون بذلك حياء، ويجتزئون بالإشارة إلى خيانة بعض المسيحيين، ولكن الحقيقة أنه لولا تلك الخيانة لم يكن المسلمون ليستقروا في تلك البلاد القاصية المنقطعة عن أوطانهم الأصلية، وهم في قلة من العدد، في زمن كانت فيه المواصلات غير ما هي الآن.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٦٩