Antibes
وأخذوا بعض رهبان أسرى وفي سنة 1019 غزا منهم أناس مدينة أربونة فاجتمع عليهم الأهالي وكشفوهم ثم قتلوهم وأسروا منهم عشرين رجلا كانوا في غاية الطول والعظم، فأرسلوهم إلى دير سان مارسيان في ليموج، فاستخدم منهم رئيس الدير اثنين وفرق الباقين على أصحابه، وجاء في مجموعة الدون بوكيه خبر يفيد أن هؤلاء لم تكن لغتهم عربية.
وفي سنة 1047 نزل مسلمون أندلسيون في جزيرة لارين
Lerins
23
واستاقوا عددا من الرهبان أسرى فذهب رئيس دير سان فكتور في مرسيلية إلى الأندلس لافتكاكهم، وكان بعض أمراء الأندلس شرعوا يشنون الغارات البحرية على بلدان المسيحيين، وأشهر هؤلاء مجاهد العامري الذي استولى على دانية وجزر الباليار والإفرنج يسمونه موجيت
Mujet
أو موزكتوس
Musectus
وكان اسمه يلقي الرعب في سكان كورسكة وسردانية وبيزة وجنوة، وبقيت غارات المسلمين على سواحل فرنسة تتوالى ولا تغيب طويلا إلى أن اشتدت قوة فرنسة البحرية ولم تنته تماما إلا بفتح فرنسة لجزائر الغرب،
24
وكانت مدينة ماغلون مقصدا لغزاة المسلمين حتى أطلق عليها لقب بورسارازين
port-Sarrazin
ومن هذا القبيل مدينة مارتيخ عند مصاب نهر الرون التي فيها أبنية يقال: إنها من أيام العرب ومثلها جزر هييار
Hyeres
التي قبالة ساحل الفار وقد جاء في إحصاء لمقاطعة مصاب الرون - بقلم المسيو تولوزان - أنه وجدت أوراق قديمة في مارتيغ تتعلق بإقامة المسلمين في تلك البلاد، وكذلك وجدت أوراق قديمة في فوس يظهر منها أن المسلمين سكنوا في جزائر هييار المارة الذكر، على أن المسلمين بدأوا بالتقهقر البحري في أواسط القرن الحادي عشر، ففي سنة 961 كان الروم استردوا جزيرة أقريطش، وفي سنة 1050 أجلي المسلمون عن جنوبي إيطالية وفقدوا ملكهم في صقلية، وتجاوز المسيحيون البحر ونزلوا في بعض سواحل إفريقية حيث خفقت لهم أعلام مدة طويلة، ثم لم يلبث الإسبانيول أن استرجعوا طليطلة وقرطبة وأشبيلية وغيرها، ثم زحف من أوربة إلى آسيا الصليبيون بجيوش لا تحصى فوقفوا المسلمين عند حدودهم بل غزوهم في عقر دارهم وفقد المسلمون كل أمل في التجاوز على فرنسة والجنوب الغربي من أوربة، وفي سنة 960 كان الكاتب العربي ابن حوقل يصف مسلمي الأندلس بالجبن والطيش وفقد الصلابة والحزم، وكذلك ابن سعيد الذي كان يكتب في القرن الثاني عشر قد تعجب كيف أن المسيحيين لم يطردوا مسلمي الأندلس تماما في ذلك الوقت.
25
ومما يدلك على ما وقع في نفوس المسلمين من هذه الجهة الشاهدان الآتيان: روى مؤرخو العرب أنه لما قفل موسى بن نصير إلى الشام بعد فتحه الأندلس، سأله الخليفة عن الشعوب المختلفة التي مارسها، فأجابه، أن الإفرنج فيهم العدد والشدة والإقدام والثبات، ويستغرب أن يكون موسى بن نصير وصف الإفرنج بهذا الوصف وهو لم يباشر معهم حربا، وعلى فرض أنه وصل إلى جنوبي فرنسة كما يزعم مؤرخو العرب، فإنه لم يكن قد لقي الإفرنج بل لقي القوط الذين كانوا أصحاب الحكم في البلاد الجنوبية من فرنسة ولكن مسلمي الأندلس عندما تلاقوا مع رجال شارل مارتل وشارلمان علموا من هم الإفرنج في صلابة العود وعلموا من هم الفرنسيس في حب المجد والإقدام على الأخطار، وقد روى المؤرخ الإسبانيولي كوندي كلام موسى بن نصير هذا وأضاف إليه بزعمه قول موسى: إن الإفرنج إذا انهزموا فليسوا بشيء.
26
والشاهد الآخر هو ما يرويه العرب من وجود كتابة منقوشة على تمثال في مدينة أربونة معناها: يا أولاد إسماعيل لا تتجاوزوا هذا المكان فإنكم إن تجاوزتموه ولم ترجعوا على أعقابكم هلكتم. هكذا روى المقري في نفح الطيب في النسخة الخطية التي في المكتبة الملوكية.
27
| هوامش
الفصل الرابع
| الصفة العامة لغارات العرب هذه والنتائج التي ترتبت عليها